الرابحون والخاسرون بعد “زلزال” سوريا!

جورج حايك
اسقاط تمثال الاسد

عاشت سوريا زلزالاً عسكرياً وسياسياً كبيراً انتهى بسقوط نظام بشار الأسد وفراره إلى روسيا، وهذا ما كان متوقعاً بعد الهجوم الكاسح للفصائل السورية المعارضة، وحتماً بعد نهاية هذا الزلزال، باتت الصورة أوضح لتقييم المشهد السوري بتعددية اللاعبين المحليين والدولين الذين شاركوا في الحرب السورية منذ العام 2011.

لا شك في أن ما حصل منذ أسبوع حتى اليوم من سقوط المحافظات والمدن السورية في يد فصائل المعارضة، تمّ بغطاء اقليمي ودولي، التقى مع ارادة الشعب السوري الذي ناضل وتعذّب كثيراً للوصول إلى هذه اللحظة من الحرية التي لا تُقدّر بثمن.

يُجمع المحللون الدوليون على أن الرابح الأكبر من سقوط الأسد هو الشعب السوري الذي تحمّل حرباً أهلية متعددة الطبقات استمرت 13 عاماً ونحو نصف قرن من الحكم الوحشي لعائلة الأسد، التي استخدمت الرقابة والإرهاب الحكومي والترحيل الجماعي والحرب الكيميائية والمذابح للحفاظ على السلطة. وقد أودت الحرب بحياة 600 ألف شخص، ما يجعلها ثاني أعنف صراع في القرن الحادي والعشرين بعد حرب الكونغو الثانية.

لقد نزح أكثر من 13 مليون سوري قسراً بسبب الصراع – 6.2 ملايين منهم فروا إلى الخارج – وقد شكّلت الحرب الظروف التي أدت إلى صعود تنظيم “داعش” البربري. وعلى الرغم من سعادة السوريين اليوم بالحرية، إلا أن بعض هؤلاء المحللين يخشى أن يكون هناك فراغ في السلطة وأن تتصادم الفصائل المسلّحة المتناقضة والجماعات الدينية المختلفة في البلاد، علماً أن تطمينات قائد “هيئة تحرير الشام” أبو محمد الجولاني أو أحمد الشرع تريح البعض لجهة تبنيه نبرة تصالحية تجاه الأقليات الدينية في سوريا. وأكّد احتمال حلّ “هيئة تحرير الشام” بعد أدائها وظيفتها بتحرير سوريا من نظام الأسد، على الرغم من عدم ثقة عواصم القرار بالجولاني ومسلحيه وحذرهم من النزعة الدينية المتشددة التي يتّسمون بها.

في هذه المشهديّة، لا بد من الاعتراف بأن تركيا هي الرابح الأكبر كونها الراعية الرئيسية للجماعات المعارضة الاسلامية المسلحة في سوريا. ومن المتوقّع أن يزداد نفوذ تركيا في المنطقة بعد سقوط الأسد، ما سيساعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تعزيز أجندته الجيوسياسية، ويمنحه الفرصة لتحقيق العديد من الأهداف الاستراتيجية، بما في ذلك كبح جماح الانفصاليين الأكراد في شمال شرق سوريا الذين تربطهم علاقات وثيقة بالانفصاليين الأكراد في تركيا، كما ستكون إعادة الاعمار في سوريا بمثابة كنز للشركات التركية.

ويؤكّد المحللون الدوليون أن الرابح الثاني هي اسرائيل، بدليل أن ايران سارعت إلى اتهامها بالتخطيط لإطاحة الأسد؛ بعد إذلال “حزب الله” عسكرياً، وقد اعترفت الفصائل السورية المسلّحة بأنها عملت على توقيت انتهاء العملية الاسرائيلية في لبنان للإفادة من “الممونتوم” واستغلال ضعف “الحزب” حليف الأسد. لكن لا دليل على المساعدة العسكرية الاسرائيلية المباشرة. إضافة إلى ذلك، ثمة سؤال يطرح: هل كانت الفصائل بحاجة الى ساعدة اسرائيل في ظل رعاية تركيا لها؟

في المقابل، قد يكون تصريح رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو مثيراً للريبة، قائلاً إن سقوط الأسد “هو النتيجة المباشرة لعملنا القوي ضد حزب الله وإيران، الداعمين الرئيسيين للأسد”. وقد عمل نتنياهو فوراً للإفادة من الظروف، فأمر القوات الاسرائيلية بالاستيلاء على مواقع الجيش السوري بعد التخلي عنها في المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا في مرتفعات الجولان، من أجل “ضمان عدم ترسيخ أي قوة معادية بجوار حدود إسرائيل”، والاستعداد لأي فوضى قد تندلع في سوريا.

ويلفت المحللون الدوليون الى أن إطاحة الأسد تفيد إسرائيل، وتساهم في إضعاف إيران اقليمياً، وتقضي على محورها، بحيث قُطعت الطرق البرية لإعادة إمداد شريكها “حزب الله” بالسلاح، ما يجعل الأخير خاسراً حتماً، وهذا الأمر سيساعد الدولة اللبنانية للتحرّر من قبضته.

أما أبرز الخاسرين فهم الأكراد، وفق المحللين الدوليين، ولا يُعرف ما إذا كان الاسلاميون الرابحون في هذه الحرب، سيمنحون الحرية التي كان يتمتع بها الأكراد في ظلّ حكم النظام السوري، وربما يشفع بها تحالفهم مع الولايات المتحدة الأميركية التي استخدمتهم لمحاربة “داعش”، وليس معروفاً ما إذا كان الرئيس المنتخب دونالد ترامب سيتخلى عنهم أو سيستمر في تأمين الحامية لهم في مواجهة الأتراك وعدائية اردوغان حيالهم.

من الخاسرين أيضاً العلويون في سوريا ويشكّلون ما لا يتجاوز 12 في المئة هناك. هؤلاء كانوا يخشون سقوط الأسد، والبعض منهم وخصوصاً في حزب “البعث”، كان العمود الفقري لنظامه واحتل مناصب عليا في الحكومة والجيش وأجهزة الاستخبارات. وخلال السنوات الأولى من الثورة، شكّلوا “الشبيحة”، وهي ميليشيات منظمة كانت مسؤولة عن المجازر والاغتصاب المنهجي.

أما روسيا وايران فيُمكن ضمّهما إلى لائحة الخاسرين أيضاً، ويوضح المحللون الدوليون أن سقوط الأسد أدى إلى إضعاف موقف روسيا في الشرق الأوسط بصورة كبيرة وكذلك موقف إيران. لقد أنقذت موسكو وطهران معاً النظام السوري من الانهيار في العام 2015 عندما بدا الأسد على وشك إطاحته- ساعدت الميليشيات الشيعية التي تقودها إيران – بالتعاون مع روسيا عبر حملة قصف الأرض المحروقة، الأسد على استعادة حلب من الثوار الذين سيطروا على حوالي نصف المدينة لمدة أربعة أعوام. وقد ساهمت أخطاء الأسد برفضه التعاون مع تركيا والاستجابة للنصائح الروسية في هذا المجال، في تعجيل نهايته، وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يريد ذلك، ليفتح من خلال العلاقات السورية-التركية باب التجارة المربحة للشركات الروسية.

حتماً لا تبدو الولايات المتحدة الأميركية بعيدة عما يحصل، وقد اعترف مسؤول كبير في إدارة بايدن بأن “هذا مجرد تغيير أساسي في معادلة الشرق الأوسط بأكمله”.

وقال البروفيسور البريطاني في العلاقات الدولية كريستوفر فيليبس: “لقد هُزم حزب الله بسبب الحرب مع إسرائيل، وأصبحت إيران أضعف بكثير أيضاً نتيجة لذلك، بينما نقلت روسيا العديد من قواتها إلى أوكرانيا. لم يتمكن أي من الحليفين من إرسال أي مستوى مشابه من الدعم الذي تلقاه الأسد في الماضي، ما أدى إلى إضعاف قواته”.

قد يكون باكراً الكلام عن سوريا ما بعد الأسد، وإعادة تأسيس الدولة هناك يحتاج إلى وقت طويل، وستكون لتركيا اليد الطولى في المشهد السوري الجديد، وتبقى الدول الخليجية الغائب الأكبر حتى اليوم، لكن من المتوقع أن تعود العلاقات الديبلوماسية بين السلطة السورية الموقتة والدول العربية عموماً والخليجية خصوصاً، فسوريا دولة عضو في الجامعة العربية أولاً وأخيراً، والوقت وحده سيبلور الصورة على نحو أكثر وضوحاً.

شارك المقال