إشكالية "حزب الله" بين القضاء الممانع والقضاء العادل

سياسة 27 أيلول , 2021 - 12:01 ص

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

يعيش "حزب الله" وكل من يدور في فلكه من مسؤولين "فوبيا" قاضي التحقيق طارق البيطار، ويظهر الإرباك واضحاً بعد التهديد الذي وجهه المسؤول عن وحدة الارتباط والتنسيق في "حزب الله" وفيق صفا للبيطار، مفجّراً قنبلة صوتية تشكّل سلسلة من سلسلة قنابل رماها الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله بالارتياب والتشكيك بالبيطار وأدائه.

"نقزة" الحزب من البيطار

مواجهة "حزب الله" للبيطار لا تبدو بريئة، وقد أصبح الضرب فيها تحت الحزام لإلحاق الأذى بالتحقيق وفرملته، مع العلم بأن البيطار هو ثاني قاضي تحقيق بعد فادي صوان الذي أرسلت إليه أيضاً قطة مذبوحة كرسالة تهديد، وهذا ما يقرأه مرجع قانوني كبير بـ"الهجوم الوقائي الذي يمارسه "الحزب" نتيجة ذعره من التحقيق، على الرغم من أن الأسماء التي طلب البيطار التحقيق معها لا تنتمي إلى "الحزب" كرئيس الحكومة السابقة حسان دياب ووزير المال السابق علي حسن خليل ووزيري الأشغال السابقين يوسف فنيانوس وغازي زعيتر والمدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم ووزير الداخلية السابق نهاد المشنوق". ويتساءل المرجع القانوني "لماذا يخاف "الحزب" من استدعاء هؤلاء؟ وما علاقته بهم؟ الجواب ليس سراً إلا أنه قد يُفاجئ البعض، يبدو أن "الحزب" لديه معطيات بأن التحقيق مع هؤلاء قد يكشف تورطه بأمر معيّن في ما يخص وجوده ونفوذه في المرفأ وربما علاقته بمواد نيترات الأمونيوم وإلا لماذا الخوف من مسار التحقيق الذي يقوده البيطار؟ ولماذا الاستشراس بتهديده والانقضاض عليه بعد الانقضاض على صوان سابقاً؟ وبالتالي كل قاض نزيه سيحاول اتخاذ المسار القانوني نفسه سيلقى المصير نفسه".

مسؤولية بحكم السيطرة

ويذهب المرجع القانوني إلى كلام غير مسبوق بل مثير للفضول في هذه القضية ويؤكد:"ردة فعل "الحزب" تضعه في دائرة الشبهات أكثر، وإذا افترضنا أنه ليس متورّطاً، فهو لديه مسؤولية في تقديم معلومات إلى المحقّق العدلي. فلا ريب ولا أدنى شك انه على دراية بما كان يجري في المرفأ، ومن يحكم ومن يسيطر ومن يفسد ومن يتواطأ، لا سيّما أنّ عدداً من عناصره سقطوا ضحايا في انفجار المرفأ، كما قال أمينه العام غداة الانفجار. واذا كان من اتّهام لـ"الحزب"، فهو ناشئ من معرفة اللبنانيين أنّه باسم "المقاومة" كان يدخل الى المرفأ، وينشر موظفين تابعين له في جميع مفاصله، ويمتلك بوابةً خاصة بالمرفأ اسمها بوابة "حزب الله" شبيهة بالمعابر البرية مع سوريا المعروفة بخطوط الحزب العسكرية، ويدخل عبر هذه البوابة ممنوعات وبضائع متنوعة، تدخل إلى لبنان بأوراق مزوّرة عبر شركات تخليص جمركي وهمية تتبع لـ"حزب الله". وباسم المجلس الشيعي كان يستورد بضائع من الخارج مُستفيداً من الإعفاءات الجمركية، وفي اعتبار المرفأ أهمّ نافذة تجارية وربّما أمنية لبنانية على الخارج، فمن الطبيعي بحسب ما يقدّم نفسه "حزب الله"، أن يكون لديه الكثير مما يفيد به التحقيق في شأن الانفجار الكارثي وخلفياته. لذلك، فإنّ عدم تقديمه لهذه المعلومات هو اتهام بل إدانة له، وكلام نصرالله على أن لا نفوذ لحزبه في المرفأ غير واقعي ومُضلِّل، ومن هنا، فإنّ توجيه جزء كبير من الشعب أصابع الاتّهام له حول انفجار المرفأ، يبرّره ايضاً كل هذا الدور الذي يضطلع به أمنياً وعسكرياً على كلّ المعابر الشرعية وغير الشرعية وعلى كل الحدود اللبنانية وما بعد الحدود. والأهمّ من ذلك كلّه كونه فعلياً سلطة الوصاية على الدولة التي صارت دويلة أمام مهام وصلاحيات دويلته التي تجاوزت حدود الدولة وسيادتها".

ويلفت المرجع القانوني إلى "أن نصرالله منذ البداية أراد أن يكون انفجار المرفأ جريمة إهمال، والسؤال المحق: كيف عرف ذلك؟ علماً أنه دعا المتضررين إلى التوجه نحو شركات التأمين للحصول على التعويضات! وقد كانت مطالبته القضاء وقبله قيادتي الجيش وقوى الأمن الداخلي لافتة بإعلان نتائج التحقيق فيه، مما يعني أن التحقيق بحسب نصرالله قد انتهى ولا ينقصه سوى الإعلان عنه! أما التساؤلات الأساسية فبقيت من دون أجوبة".

علاقة استنسابية بين "الحزب" والقضاء

كل هذه المعطيات والحرب الضروس التي يشنها "الحزب" ضد القاضي البيطار تدفعنا إلى فتح ملف العلاقة الاستنسابية بين "حزب الله" والقضاء.

هذه العلاقة بين الحزب والقضاء قديمة جداً، والمفارقة أن الثغرات موجودة منذ زمن الاحتلال السوري الذي أوجد قضاء "غبّ الطلب" كان يتحرّك كلّما احتاجه النظام السوري ليؤدّب معارضيه، ولعل "القوات اللبنانية" كانت أبرز من استهدفه هذا القضاء وافترى عليها بأحكام وقرارات وصلت إلى حدّ حلّ الحزب واعتقال رئيسه سمير جعجع طوال 11 عاماً قبل أن يخرج بعفو من مجلس النواب عام 2005. إذاً، ورث "حزب الله" هذا القضاء المدجّن سورياً، حيث تقبع القضايا امامه سنوات تدور في حلقة مفرغة من دون بلوغ الهدف، أو ينفّذ القضاء ما تريده بعض القوى السياسية النافذة، وأقواها "حزب الله"، إلا أن لكل قاعدة استثناء، فهذه القاعدة القضائية اللبنانية المصابة "بالتسييس" لها استثناءات تتمثّل ببعض القضاة النزيهين والعادلين، وحتماً القاضي البيطار واحد من هؤلاء كما يبدو حتى الآن.

بداية الاحتكاك بين القضاء و"حزب الله" كانت جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، ولأن القضاء في لبنان استنسابي ومطاط ويمكن أن يخضع لإرادات القوى السياسية وتهويلها، اضطر المسؤولون في السلطة المحسوبون على قوى 14 آذار آنذاك الى سلوك درب القضاء الدولي في جريمة اغتيال الحريري رغم معارضة "حزب الله"، وهنا بيت القصيد، فأصدر هذا القضاء أحكامه في الجريمة وحدد الجهة التي تقف وراء الاغتيال فأدان سليم عيّاش المنتمي إلى "حزب الله"، لكن لم ولن يتمكن على الارجح من تنفيذ الحكم ما دام الحزب يصنّف عياش في مصاف القديسين والمحكمة في خانة "الأداة العميلة".

شريط من الجرائم المبهمة

كرّت سبحة الاغتيالات بعد الحريري، واستهدفت رموزاً سياسية واعلامية من قوى 14 آذار: مروان حمادة، جبران تويني، سمير قصير، وليد عيدو، بيار الجميل، انطوان غانم، مي شدياق، الياس المر، جورج حاوي، وسام الحسن، محمد شطح، وسام عيد وآخرهم لقمان سليم منذ بضعة أشهر. والمفارقة أن معظم هؤلاء كانوا من معارضي "حزب الله" ولم يصل القضاء اللبناني إلى أي نتيجة في كشف ملابسات عمليات اغتيالهم! وهناك قضايا أخرى تبين فيها تورط عناصر من "حزب الله" في جرائم او محاولات ارتكاب جرائم، فرفض تسليم المشتبه فيهم أو ضغط على القضاء لإخلاء سبيلهم، والأمثلة عديدة: رفض "الحزب" تسليم المتهم بمحاولة اغتيال الوزير والنائب السابق بطرس حرب. وفي عام 2009، قررت المحكمة العسكرية على نحو مفاجئ ومستغرب إطلاق سراح العنصر في "حزب الله" مصطفى حسن المقدم، المتهم بالتسبب باستشهاد الملازم اول طيار في الجيش اللبناني سامر حنا، وذلك بعد تعرض طائرته المروحية لاطلاق نار في اعالي سجد في منطقة اقليم التفاح- جنوب لبنان.

كذلك بدت جريمة اغتيال هاشم السلمان أمام السفارة الإيرانية في بيروت، وبالتالي هذه القضية ستظلّ مثالاً صارخاً على مدى قدرة حزب على التحكّم بمسار التحقيقات الأمنية والقضائية، وتكشف هشاشة الدولة وسلطاتها امام "جبروته".

ويمكن الحديث عن عشرات الشواهد التي تُظهر "حزب الله" كطرف فوق سلطة القضاء، بل كالمتحكّم بمسارات العدالة التي يعمل على استخدامها في مواجهة الكثير من خصومه السياسيين والمواطنين العاديين، من خلال أزلام وتابعين، يدفع بهم من أجل الادّعاء، ويتحكّم بمهمّة تسيير الأجهزة الأمنية والمعنية من أجل الدفع باتّجاه تحقيق ما يصبو اليه، ونموذج الادّعاء على المفتي العلامة السيّد علي الأمين خير شاهد ودليل.

والمستغرب أن "الحزب" الذي يتعامل باستنسابية مع القضاء فيتهمه بالتسييس في التحقيق بجريمة انفجار مرفأ بيروت، يلجأ اليه عندما يريد الادعاء على مواقف واتهامات بعض السياسيين اللبنانيين له المبنية على وقائع وتساؤلات مثل فارس سعيد وبهاء الحريري وأشرف ريفي وديما صادق والموقع الالكتروني لـ"القوات اللبنانية". وما يتهم هؤلاء الأطراف الحزب به، معظمها يتباهى به هو كإنجازات مقدّسة، مثل خدمة زعيم في بلد أجنبي أو القتال في بلد أجنبي أو تلقّي السلاح والجعالة والمازوت من بلد أجنبي. وهي كلها أفعال خيانة يُعاقب عليها القانون. فالأولى، إذاً، بهؤلاء السياسيين المقاومين والشعب المتضرر باقتصاده وماليته وأمنه وبشره وحجره، أن يرفع هو دعوى عامة ضد "حزب الله" الذي قتله وبكى ثم سبقه واشتكى!

البيطار لا يخاف

ونعود إلى القاضي البيطار، ونسأل لماذا يستخدم "حزب الله" كل هذا التهويل عليه؟ مشكلة "الحزب" مع البيطار أنه قاض لا يخاف. عادة يعرف "الحزب" أن أي قاض يعمل في الجمهورية اللبنانية يجب أن يعرف ما يمثله "حزب الله" من قوة أمنية وعسكرية وسياسية، وعليه أن يخاف كما كان يخاف إبان الاحتلال السوري للبنان، بحيث كانت كل السلطات ترضخ لترهيب النظام السوري، علماً أن السلطة القضائية هي جزء من المشهد السياسي ولا يمكن القول إن واقع القضاء اليوم يختلف عن واقع القضاء في الأمس، ويشعر جميع اللبنانيين بوجود سلطة فوق السلطة اللبنانية، ويعلمون أن القضاء ليس جسماً منزهاً وفوق التأثيرات، وبالتالي يشعر القاضي أمام "حزب الله" أنه ليس أمام حزب عادي وإنما يخشى من رد فعل من هذا القبيل، وبالتالي تكمن هنا أهمية البيطار إذ إنه لم يتأثر بالمناخ العام الذي نشره "الحزب".

كان "حزب الله" يتصرف بموجب مقولة "قولوا ما تشاؤون، ونفعل ما نشاء"، وهكذا شارك في حروب بعض الدول العربية كسوريا واليمن والعراق، وهيمن على قرار الدولة اللبنانية رغم كل الأصوات المعارضة، إلا في جريمة انفجار المرفأ، إذ انقلب السحر على الساحر، ويبدو أن القاضي طارق البيطار اتخذ مقولة "قولوا ما تشاؤون، وافعل ما يشاؤه القانون"، والمعركة مستمرة بين قضاء "حزب الله" الممانع من جهة وقضاء الدولة العادل من جهة أخرى. وأخيراً، إذا مالت الكفة إلى القضاء الممانع، لا بد من أن تصبح المطالبة بالقضاء الدولي مشروعة جداً، والأيام المقبلة ستكون حاسمة في هذا المجال.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us