هل انتهى دور بوتين في الشرق الأوسط؟

حسناء بو حرفوش
بوتين

على الرغم من علامات الاستفهام التي تطرح حالياً، من المبكر الحديث عن هزيمة استراتيجية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الشرق الأوسط، وفقاً لتحليل في موقع “سبكتاتور” الأميركي. وحسب المقال، “قبل عشر سنوات، أنقذ بوتين بشار الأسد من هزيمة وشيكة، ما عزز مكانته في الشرق الأوسط ومنحه بعض الأسس للمطالبة بوضع روسيا كقوة عظمى. لكن سقوط الأسد أثبت أن هذا الادعاء غير واقعي، بحيث لم يتمكن بوتين من إنقاذ حليفه بسبب انشغاله بالحرب الأوكرانية. وذلك حتى مع نجاح الروس في إخراج الأسد من سوريا ومنحه اللجوء السياسي.

وعلى الرغم من ذلك، من المبكر الحديث عن هزيمة استراتيجية لبوتين في المنطقة. ففي الوقت الراهن، لا تزال روسيا تسيطر على منشآتها البحرية في طرطوس وقاعدتها الجوية في حميميم، كما لديها عدة آلاف من الجنود في سوريا. وفي ظل عدم إظهار روسيا أي نية للانسحاب، من المتوقع أن تسعى الى الحفاظ على هذه المنشآت العسكرية، التي تمثل عنصراً مهماً في استعراض قوتها الاقليمية وتعتبر رمزاً لمكانتها.

لكن الحفاظ على هذه الأصول الاستراتيجية سيكون صعباً من دون تعاون الحكومة السورية الجديدة. فالجماعات التي تسيطر حالياً على دمشق، وعلى رأسها هيئة تحرير الشام، لا تدين بأي ولاء لبوتين، ما يضع روسيا في موقف ضعيف. كما أن الفصائل أوضحت عدم ترحيبها بالوجود الروسي ما قد يدفع باتجاه انسحاب سريع من سوريا.

ومع ذلك، ليس من الواضح ما إذا كانت هيئة تحرير الشام ستقرر طرد الروس. وتعيش سوريا فترة من عدم الاستقرار مع محاولة الحكومة الجديدة تعزيز سلطتها. وربما تستنتج هيئة تحرير الشام أن الوقت غير مناسب لاستعداء الروس، وأن من الأفضل تركهم وشأنهم. وفي النهاية، يعتمد الروس على تعاون النظام الجديد، ومن المرجح أن يسعى الكرملين الى التقرب من دمشق.

بالاضافة إلى ذلك، قد يمثل الوجود الروسي ورقة بيد هيئة تحرير الشام في تعاملاتها مع إسرائيل وتركيا والولايات المتحدة. وهذا ما يأمل الكرملين في حدوثه. ونقلت وسائل الاعلام الروسية عن ممثلين للنظام الجديد تصريحات غير مؤكدة تفيد بالتزامهم الاتفاقات مع روسيا والتي تخدم مصالح سوريا.

وقبل أيام من سقوط الأسد، نفذت روسيا غارات جوية استهدفت المتمردين السوريين. وفي 7 ديسمبر (كانون الأول)، كرر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وصف هيئة تحرير الشام بالارهابية ووعد بدعم روسيا في التصدي لها. لكن مع سقوط الأسد، غيّرت روسيا من لهجتها، وبدأت تصف ما كانت تسميهم سابقاً بالإرهابيين بالجماعات المسلحة المعارضة. ومن الواضح أن الروس حريصون على كسب ود الحكومة الجديدة.

كما سيعمل بوتين بلا تردد مع الفصائل الأكثر تطرفاً في سوريا. وقد تسعى روسيا على الأقل، الى الافادة من الانقسامات بين الجماعات المتنافسة في البلاد. وطالما أن روسيا تحتفظ بوجود عسكري كبير في سوريا، ستظل لاعباً رئيسياً في السياسة السورية.

أما الخروج من سوريا فيعني إنهاء عقود من التدخلات الروسية في هذا البلد الذي مزقته الحرب. وقد يهدد بنزع مصداقية روسيا حول قوتها في الشرق الأوسط. كما سيعقد مشاريع بوتين في أماكن أخرى، مثل ليبيا وإفريقيا، ويقلل من مكانة روسيا.

ولكن في الوقت الحالي، تواصل روسيا الحفاظ على وجودها العسكري في سوريا على الرغم من المخاطر. لقد تكبدت ضربات كبيرة، لكنها لا تزال تسعى الى البقاء في اللعبة. وتمتلك روسيا العديد من الأدوات للتعامل مع الوضع، مثل الرشوة والتهديدات والتخريب، ومن المحتمل أن تسعى الى البحث عن تفاهمات مع إيران، التي عانت أيضاً من خسارة كبيرة بعد سقوط الأسد.

وربما لن يستطيع بوتين تحمل عبء التمسك بالبقاء في سوريا بالقوة. فحربه الكارثية في أوكرانيا أظهرت أن روسيا أضعف عسكرياً مما تبدو عليه. ومع استمرار الحرب وتزايد الأثمان على موارد روسيا، لن يجد الكرملين أي حوافز للدخول في صراعات إضافية، خصوصاً في سوريا.

ويضع ذلك هيئة تحرير الشام، التي كانت حتى وقت قريب مجموعة هامشية نسبياً، في موقف فريد حيث بإمكانها اتخاذ قرار حول السماح لروسيا أم لا بالاحتفاظ بموطئ قدم في الشرق الأوسط. أما بالنسبة الى روسيا، فالغموض سيد الموقف والسؤال يبقى مفتوحاً حول نية البقاء أم الإنسحاب”.

شارك المقال