كيف سيكون الحضور الروسي في الشرق الأوسط بعد سقوط الأسد؟

لبنان الكبير

سقط نظام بشار الأسد، وكان سقوطه مفاجئا. هذا السقوط، قد يقلب السياسة الروسية في منطقة الشرق الأوسط، حيث تسعى روسيا لابراز دورها.

تدخلت روسيا في الحرب السورية، قبل اقل من عقد، وتحالفت مع إيران و”حزب الله” لإنقاذ الأسد من الثوار الذين تقدموا الى دمشق، وساعدته باستعادة السيطرة على ثلثي سوريا.

جاء دعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القوي لبشار، في الوقت الذي تخلت فيه الولايات المتحدة عن حليفها المقرب الرئيس المصري السابق حسني مبارك خلال “الربيع العربي”. 

الآن يواجه بوتين كارثة استراتيجية محتملة، وتداعيات واسعة النطاق، ليس فقط لروسيا بل على الصعيد الشخصي أيضا.

يعد النجاح في الخارج مهما للغاية لشرعية أي حاكم روسي، وساعدت إعادة تأكيد بوتين على امتيازات روسيا على الصعيد العالمي في الربع قرن الماضي على تعزيز ما يحظى به من دعم نخبوي وشعبي، وهذا هو أحد الأسباب التي تجعله، على الرغم من الخسائر الكبيرة التي تكبدها، يواصل إصراره على أن روسيا ستحقق جميع الأهداف التي وضعها عندما هاجم أوكرانيا في شباط 2022، ولن يختلف نهجه إزاء التحديات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، حيث سيواصل الإصرار على وجود روسي قوي في المنطقة.

يقول كبير مديري إدارة روسيا، في مجلس الأمن القومي الأميركي، في إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن إنه في الأعوام الأخيرة عززت تصرفات بوتين في الشرق الأوسط مكانته، وجاء إنقاذه للأسد في عام 2015، زيادة دور روسيا في منطقة كانت قد تخلت عنها بشكل كبير في نهاية الحرب الباردة.

أعاد بوتين العلاقة مع تركيا، مستغلا غضب الرئيس رجب طيب اردوغان من الغرب بسبب الدعم الفاتر له خلال محاولة الانقلاب التي تعرض لها في عام 2016.

وعام 2016 تعاون مع السعوديين، لإطلاق تحالف الدول المصدرة للنفط أوبك بلس (أوبك +) لتنظيم أسواق النفط الدولية.

بالنسبة لإيران، عام 2018، وبعد انسحاب إدارة الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي متعدد الأطراف مع طهران وأطلقت حملة الضغط الأقصى، اقترب بوتين من إيران، وواصل تعزيز العلاقات مع إسرائيل، حينها وتفاخر الروس بأنه لا يمكن حل أي مشكلة في الشرق الأوسط من دونهم.

ألا أنه وبعد هجوم 7 تشرين الأول عام 2023، بدأت سمعة روسيا تتراجع في الشرق الأوسط، وذلك بعد تركيز بوتين على دعم الولايات المتحدة الثابت لعملية إسرائيل الوحشية في قطاع غزة للفوز بدعم الجنوب العالمي، وسط الدعم الروسي الثابت لحركة “حماس” مع تزايد الخسائر بين المدنيين نتيجة جيدة في العالم غير الغربي الى جانب دعمها لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي التي تدين إسرائيل وتدعم وقف إطلاق النار والتي استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضدها.

وما يعد أكثر أهمية، هو أن الصراع والحروب في المنطقة، أظهرت مدى ضآلة الدور الروسي الفعلي، اذ لم يلجأ أحد إلى موسكو من أجل التوصل إلى حل للصراع، على العكس تماما، كل الأنظار تحولت الى واشنطن.

وفي الوقت نفسه، كان للصين دور وتدخل دبلوماسي أكثر براعة من الروس، اذ تمكنت من تحقيق التقارب بين إيران والسعودية.

الآن الاهتمام الروسي موجه لإنقاذ قواعدها العسكرية الاستراتيجية في سوريا، والمنشأة البحرية في طرطوس وقاعدة “حميميم” الجوية. فمن خلال هذه القواعد تستعرض روسيا قوتها في الشرق الأوسط، وترسخ وجودها فيه وفي شرق البحر المتوسط وتخدم كمركز لوجستي لدعم العمليات الروسية في شمال أفريقيا، بما في ذلك المتعاقدون العسكريون في ليبيا ومنطقة الساحل.

وبحسب متابعين ومراقبين، روسيا لن يكون أمامها خيار التخلي عن تلك القواعد بعد سقوط الأسد.

روسيا لم تفقد كل أوراق اللعب التي يمكن أن تستخدمها، اذ سبق وغيرت خطابها تجاه الأسد، ودعت لحوار بين جميع الأطراف بدل دعمه عسكريا، فهي أدركت ضعف قوات الأسد.

بالرغم من قولها عكس ذلك، الا انه يبدو ان روسيا لعبت دورا في إقناع الأسد بالتنحي والفرار من البلاد.

فوزارة الشؤون الخارجية الروسية أعلنت عن قرار الأسد وسفره إلى موسكو للحصول على اللجوء السياسي.

وبنفس الوقت سيسعى الكرملين أن ينسب الفضل للروس بتسهيل وصول المعارضة الى دمشق وسيطرتها على زمام الأمور، من دون سفك الدماء.

وستبقى تركيا الداعم الكبير لـ”هيئة تحرير الشام”، لذلك ستستغل نفوذها لإقناع “الهيئة” للسماح ببقاء الروس في سوريا لأسبابها الخاصة، اذ ترى أن وجود الروس عسكريا غيه ميزة، وذلك لموازنة الإسرائيلي والأميركي بسوريا، وذلك في حال تراجع الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب عن تعهده بسحب فرقة أميركية صغيرة من شرق سوريا.

مع الإشارة الى ان القواعد العسكرية الروسية، كانت موضع حوار بين الأتراك والإيرانيين والروس، على هامش المؤتمر الدولي الذي عقد بالعاصمة القطرية الدوحة منذ أيام لبحث الوضع في سوريا.

بالمقابل يأمل اردوغان في أن يعزز العمل مع موسكو، وضعه ضد الأكراد في شرق سوريا، الذين يحظون بدعم أميركي مستمر.

إذا خلال هذه الفترة، سيكون من السابق لأوانه التوصل لاستنتاجات واسعة النطاق بشأن الوجود الروسي في سوريا والشرق الأوسط.

ألا أن المؤكد هو أن الرئيس بوتين لن يتخلى ببساطة عن قواعده في سوريا ولن يقبل بهدوء، نكسة استراتيجية كبرى، لأن هذا لن يتسبب فقط في تآكل سمعة روسيا كقوة عظمى ولكن أيضا في تقليص مكانته السياسية داخل روسيا.

شارك المقال