تطبيق القرار 1680 بعد سقوط الأسد: لا مانع!

جورج حايك

لعب النظام السوري دوراً سلبياً في مسألة ترسيم الحدود مع لبنان، وقد شكّلت الحدود المتداخلة بين البلدين حالة من الفوضى، استفاد منها محور الممانعة لنقل السلاح والمخدرات وكل ما يصنّف في خانة التهريب والتجارة غير الشرعية.

وقد شكّلت منطقة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا في جنوب لبنان نقطة توتر مستمرة مع اسرائيل التي تحتلها، فيما عجز لبنان طوال كل هذه الأعوام عن إثبات سيادته عليها نتيجة عدم تطبيق القرار الدولي 1680 الذي يطالب بترسيم الحدود بين لبنان وسوريا.

واللافت أن هناك فرصة اليوم للتخلّص من هذه الذريعة التي استخدمها “الحزب” للإبقاء على سلاحه، وخصوصاً مع سقوط النظام السوري وتسلم المعارضة السلطة، بحيث ستكون مسألة تعاونها في تطبيق القرار 1680 نوعاً من حسن النيّة حيال لبنان، وربما يتطلب الأمر المزيد من الوقت، لتنظّم هذه السلطة نفسها وتثبّت سيطرتها على كل الأراضي السورية.

ولا بد من التذكير بمضمون القرار 1680، وهو يدعو إلى إقامة علاقات ديبلوماسية بين لبنان وسوريا، الأمر الذي تم بفتح سفارتين بين البلدين، أما الشق الثاني فهو يتكلّم عن ترسيم الحدود اللبنانية – السورية وهذا ما لم يحصل، وهذه المسألة التي تعتبر مدخلاً مهماً على طريق السيادة.

وليس سراً أن القرار 1701 ينصّ على تنظيم مسألة الحدود بين لبنان واسرائيل، إلا أن القرار نفسه يشمل أيضاً القرارين 1559 و1680، ويرى البروفسور المحاضر بالعلوم السياسية في جامعة في الولايات المتحدة الأميركية ادغار حتي، أن ما يترتب على الحدود الدولية اللبنانية مع سوريا يجب أن ينسحب على الحدود اللبنانية السورية، لأنّ الفريق نفسه الذي لم يعد سلاحه نافعاً في مواجهة اسرائيل على الحدود الجنوبية، لم يعد قادراً على نقل سلاحه من سوريا إلى لبنان من جهة ولا القتال في الداخل السوري من جهة أخرى، وبالتالي الحلّ أن يتولى الجيش اللبناني الانتشار على الحدود اللبنانية السورية ومراقبتها ومنع أي عمليات تهريب فيها، ومن الضروري توسيع مهمة “اليونيفيل” تنفيذاً للقرار 1680، وهذا القرار ينص صراحة على ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، ومعلوم تاريخياً أنّ هذه الحدود شكلت إشكالية دفعت المؤتمرين في اتفاق الطائف إلى إضافة عبارة “ألا يكون لبنان ممراً أو مستقراً لأي قوة أو دولة أو تنظيم يستهدف المساس بأمنه أو أمن سوريا، والعكس صحيح”.

وبالتالي، انطلاقاً من حساسية الحدود اللبنانية السورية، ومن ارتباط دور “حزب الله” بالدور الايراني، وانطلاقاً من كون المشكلة في الجانبين الاسرائيلي والسوري هي مع “حزب الله”، يجب أن يُصار إلى توسيع مهمتي الجيش اللبناني والقوات الدولية لضبط الحدود مع سوريا على غرار ضبطها مع إسرائيل وخصوصاً بعد خروج الحزب عسكرياً من سوريا والدول الأخرى.

عندما صدر القرار 1680 عن مجلس الأمن الدولي في 17 أيار 2006، اعتبر المجلس أن من شأن التدابير المنوطة به، تشكيل خطوة مهمة نحو تأكيد سيادة لبنان وسلامته الاقليمية واستقلاله السياسي. كما أن القرار كان بمثابة استكمال للقرار 1559. وآخر مرة شكّل لبنان فريقه في اللجنة اللبنانية السورية كانت في إطار المرسوم رقم 1040 تاريخ 23 كانون الأول 2008، أي منذ 16 عاماً. وسبق للبنان أن شكل فريقه في اللجنة 4 مرات قبل هذا المرسوم الذي جدد تشكيل الفريق للمرة الخامسة. وكان ذلك بعد القمة اللبنانية – السورية على أيام الرئيس السابق ميشال سليمان، وحيث تم التوافق على إقامة العلاقات الديبلوماسية وعلى إعادة تفعيل لجنة ترسيم الحدود. وكل ذلك يأتي تنفيذاً للقرار 1559، بحيث أرغمت سوريا على تنفيذ جزء منه أي ما يتصل بانسحاب جيشها من لبنان إثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وثورة 14 آذار.

و بالتالي شكّل المرسوم 1040 الفريق اللبناني في اللجنة برئاسة الأمين العام لوزارة الخارجية والمغتربين الاسبق وليم حبيب، وكان كلّما أجرى اتصالات بوزارة الخارجية السورية للبدء بالاجتماعات من أجل الترسيم، وعلى الرغم من الوعود السورية لكل من الرئيسين ميشال سليمان وسعد الحريري، كان الجانب السوري يقول إنه بعد الترسيم مع الأردن يبدأ بالترسيم مع لبنان. لكن الترسيم انتهى مع الأردن ولم تعيّن سوريا وفدها في اللجنة.

ما أراد نظام الأسد يوماً ترسيم الحدود مع لبنان وتوضيح معالمها الفعلية بين البلدين بدقة، ولم يكن يريد مراكز لبنانية تراقب الحدود وعندما لا يعرف لبنان أين حدوده بالضبط لا يمكنه أن يضع مراكز مراقبة عليها وتنعدم عندها سيطرته على سيادته وأراضيه. إذ إن مراكز المراقبة تراقب كل عمليات التهريب على أنواعها من بضاعة وأشخاص وأسلحة.

يُذكر أنه سبق للبنان أن شكل فريقه في اللجنة في الأعوام 1964 و1967، و1971 و1975، وأن طول الحدود اللبنانية – السورية يبلغ 375 كيلومتراً.

يحاول “حزب الله” تمييع القرار 1701، والضغط بإتجاه الحكومة اللبنانية للتغاضي عن الفقرة التي تشير إلى مرجعية القرارين 1559 و1680 ضمن هذا القرار الدولي. وهو أجهض أكثر من محاولة داخل الحكومة اللبنانية في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان لمطالبة سوريا بالتنسيق مع لبنان حول ترسيم الحدود، مستغلاً “ضبابية” هوية مزارع شبعا ووضعها المعقد للتذرع بأن هناك أراضٍ محتلة بهدف إعطاء بعد شرعي لسلاحه.

ومنذ ثلاثة أعوام، حاول “الحزب” بصراحة وقبيل انعقاد جلسات مجلس الأمن الدولي لتجديد ولاية قوات “اليونيفيل” العاملة في جنوب لبنان، اقتراح نص لقرار التمديد يشطب الفقرة التي تشير إلى مرجعية القرارين 1559 و1680، إلا أن أياً من الدول الخمس الكبرى لم توافق على الإشارة إليها في مسودة الصيغة المقدمة الى مجلس الأمن.

ويلفت البروفسور حتي إلى أن طنظام الأسد كان متواطئاً مع ايران وحزب الله، لذلك امتنع عن تنفيذ القرار 1680، إضافة إلى وجود مصلحة له بإبقاء حالة الفوضى الحدودية وعدم اعترافه بإستقلال لبنان وسيادته، أما اليوم فلا أعتقد أن السلطة السورية الجديدة ستعرقل الأمر، بل لديها مصلحة في ترسيم الحدود مع لبنان لمنع أي تدخّل للحزب في الشؤون السورية، وما لم يطبّق القرار 1680 بالضبط الرسمي للحدود مع سوريا، وما لم يتم تحييد لبنان عن محاور الصراعات الخارجية والمشاريع الاقليمية، فإن لبنان سيبقى في دائرتي الفشل والفوضى”.

كل مواطن لبناني ينشد الاستقرار والازدهار يأمل أن تنتهي جلجلته المستمرة منذ أكثر من خمسة عقود، وبالتالي المدخل لإنهاء أحد أوجه الأزمة اللبنانية يكمن في تطبيق القرار 1680 لناحية الضبط الشرعي الكامل للحدود مع سوريا.

شارك المقال