أعوام لم أنتظرها وعمر لم أحسبه

عبد المنعم مصطفى

اليوم.. وأنا أضع قدمين فوق عتبة عام جديد، لا أحدق بنظري بعيداً لأستشرف مستقبلاً لم أعد بقوانين الطبيعة، وبحسابات متوسطات الأعمار، جزءاً منه، فأغلب ما أملكه هو ماضٍ أحب أحياناً أن أتأمله علني أعثر فيه على مستقبلي، وداخل هذا الماضي، أعيد اكتشاف قوة الأوهام، التي لولاها ربما ما استمرت حياتي أو حياة أي منكم.

كلنا نتوهم أننا نقف على أقدامنا، ونتوكأ على سواعدنا، لكن السنين، والتجارب تكشف لنا قرب النهاية، أن أفضل ما توكأنا عليه طوال الرحلة كان ما أبدعته لنا الأوهام من أسباب الاستمرار، وعوامل الاستقرار.

حتى هذا الاستقرار الذي أفنينا حياتنا وأمضينا جل رحلتنا في الذهاب اليه، تبين لنا بعد مضي الوقت أنه كان أعظم أوهامنا.

ناقشني أصدقاء وقراء في ما قلته قبل عامين فقط من أنني “أنا من ضيّع في الأوهام عمره”، كان بعضهم يحاول دحض هذه الفكرة، مستعيناً بما قد أكون أنجزته في رحلة العمر، مستشهداً ببعض نجاحات، أو بعض قفزات، أو حتى بحالة رضا عام استشعرها أصدقاء ومقربون عما قدمته في رحلة عمر، ما كنت أظن أبداً أني بالغ محطة متقدمة فيها. لكنني ما زلت أظن أننا ما كنا لنبلغ ما بلغنا لولا بعض أوهام توكأنا عليها، ولم تخذلنا في بعض المراحل، وعند بعض المنعطفات، بل إنني أظن أننا نسقط عندما تتبدد أوهامنا.

أمضيت أكثر من ثلث عمري مغترباً بالخارج، بعيداً عن الوطن، وثلثه الآخر مغترباً بالداخل، في قلب الوطن، وفي كل سنوات الاغتراب، كان أكثر ما أخشاه، هو ما كانت تخشى منه فيروز، كنت أخاف أن “أكبر بها الغربة.. وما تعرفني بلادي”.. كنت ألح على الهوا كلما نسم علينا، أن يأخذني على بلادي.. أخذني الهوى.. حملني فوق أجنحة الطائرات، عائداً الى بلادي، التي ما عادت تعرفني، ولا عدت أعرفها، كلانا قد تغير، بعدما اشتعل رأسي شيباً، وشابت على أرض وطني الليالي، حتى أنني اقترحت ذات صباح، بعدما ضاقت روحي بالغربة داخل الوطن، إقامة مراكز لإعادة تأهيل المصريين العائدين من الخارج، بعد أن اكتشفت حاجتي لتعلم قيادة السيارات على الطريقة المصرية، وحاجتي لحفظ قواعد اللامرور في الشوارع المصرية، وحاجتي للتكيف مع مصر أخرى نبتت وتضخمت وتجهمت، وسيطرت طوال سنوات غيابي عنها.

بعد سنوات طوال أمضيتها في التدرب على التكيف مع معطيات جديدة في الشارع المصري، دعوني أعترف بأنني متدرب فاشل، فما زلت بعد عشر سنوات غير قادر على التكيف.

غبت ربع قرن من سنوات حسني مبارك، وعدت بعد بيان عمر سليمان الذي أعلن فيه مبارك “تخليه” لا “تنحيه” عن الرئاسة، كانت لدي أوهام أن رحيل الرجل سوف يشرع أبواباً للأمل لا يمكن لأحد أن يغلقها، وكانت لدي أوهام أن دروس ٢٥ يناير (كانون الثاني) و٣٠ يونيو (حزيران)، هي من تضع هذا الوطن فوق سكة النهوض بغير نكوص مجدداً.

كنت طوال سنوات الفتوة والشباب، أحلم بدولة القانون، ولا أرى في سواها أملاً في مستقبل الأجيال المقبلة، لكن دولة القانون ما زالت حلماً بعيد المنال، بعد عقود من الغربة، وسنوات من المشيب.

عدت بعد تنحية مبارك وإسقاط مرسي، كلاهما رحل بضغط الشارع ومات بقوانين الوجود، لكن التهديد الحقيقي الذي تواجهه مصر في اللحظة الراهنة ما زال يتلقى المدد من عصر مبارك ومن فكر جماعة مرسي.

مبارك لم يكن مجرد شخص، لم يكن مفكراً أو مبدعاً، فهو من المتحمسين لمدرسة الزميل سمير رجب رئيس التحرير المزمن لصحيفة “الجمهورية”، الذي كان مبارك يعتبره نموذجاً للصحافي الفذ، وقد دافع مبارك عن كاتبه المفضل ذات يوم حين طالبه أحد رؤساء التحرير بتكافؤ الفرص ومعاملة رؤساء التحرير الآخرين كما يعامل سمير رجب، يومها انبرى مبارك مدافعاً عن سمير رجب، وقال لرئيس التحرير المطالَب بالمساواة “انت عاوز تعمل نفسك زي سمير رجب؟! الراجل اللي بيكتب ثلاثة مقالات كل يوم أصغرهم قد كدة”… وأشار بذراعه الى طول المقال! هذا المستوى من الفكر عند القمة، استطاع أن ينتج هذه الكارثة التي اكتشفناها يوم سقوطه متنحياً أو متخلياً عن منصبه الرئاسي، حتى بدا لكثيرين أن مبارك لم يكن يجلس فوق كرسي الحكم، وانما كان يجلس بثقله فوق غطاء بالوعة ما إن تركه حتى تسللت منه الصراصير والأفاعي التي تكاثرت داخل البالوعة على مدى ثلاثين عاماً.

جسدت جماعة الإخوان ومن شايعهم، أخطر صراصير البالوعة، وأشرس أفاعيها، وبدا مع وصول مرسي إلى قصر الاتحادية، أن “مزرعة الحشرات” قد أحكمت قبضتها على الوطن.

مشاهد اعتلاء الرئيس “الرباني” محمد مرسي لكرسي الحكم، وأسلوب الجماعة في اعتصار الوطن، عجلت كلها بنهاية الجماعة ومندوبها في قصر الاتحادية. كان السقوط محتوماً، لكن من خرجوا لخلع مرسي وجماعته، لم يدر بخلدهم للحظة واحدة سيناريوهات ما بعد السقوط.

مشاهد العنف الدموي، وأعمال التخريب التي انتشرت بطول مصر وعرضها، فاجأت الجميع، وساهمت بقوة في اغتيال صورة الداعية المؤمن المسالم، أو المسلم الورع الذي يسارع الى فعل الخيرات، فكان مشهد إلقاء أطفال أحياء من أعلى بناية في سيدي جابر بالإسكندرية كافياً ليس لإزاحة جماعات الإسلام السياسي عن المشهد وحسب، وإنما لفضح حقيقتهم أمام الرأي العام داخل مصر وخارجها.

عدت الى القاهرة، أخيراً، لكن اعتصام ميداني رابعة والنهضة، كان هو المشهد المهيمن على كل ما عداه في حياة المصريين، طال انتظاري لفض الاعتصام، لكن مشاهد المعتصمين الفوضويين كل ليلة كانت تشحنني بطاقات غضب هائلة على هؤلاء الهمج الذين استباحوا حياتنا، وشوارعنا وبيوتنا ومساجدنا، وراحوا يتصرفون باعتبارهم أصحاب البلد وباعتبارنا دخلاء غاصبين على الدين والدنيا معاً.

تحولت حياتي طوال أيام الاعتصام، الى انتظار بغيض لما لا يأتي، أغفو كل ليلة سويعات أعود بعدها لسؤال من لم ينم من أبنائي: هل بدأ فض الاعتصام أم لا؟ مصير هذا البلد كان معلقاً بفض الاعتصام، وكل يوم يمر من دون فضه، ترتفع معه فواتير كل شيء.

فواتير الأمن وفواتير السياسة وفواتير الصحة والتعليم والاقتصاد، ناهيك عن أم الفواتير “فاتورة المستقبل” فكل يوم يمر تفوت معه فرصة لنا في الاقليم الذي يغلي بالتطورات، ويتفجر بالصراعات، وخلف كل تطور ينشأ، أو صراع يندلع، هناك فرصة تكمن وتترقب من يلتقطها، ويمضي بها، ولم نكن مستعدين آنذاك لالتقاط الفرص التي تسنح في الاقليم، بل كنا نحن الفرصة التي يتحينها آخرون حولنا في الاقليم بضعفنا وبانكفائنا على ذاتنا.

جرى فض الاعتصام أخيراً، وتحررت مصر من جماعة حسن البنا “جماعة الأمس” لكن مصر لم تدخل بعد في “جماعة الغد”، فهناك شروط للالتحاق بالغد، لم نستوفها بعد.

انشغلنا بعد رابعة باستكمال استحقاقات تسمح لهذا الوطن بتقديم أوراق اعتماده مجدداً لدى المجتمع الدولي باعتباره دولة مستوفاة للشروط (علم ونشيد ودستور وبرلمان ورئيس وحكومة وقضاء وشرطة وجيش) كل هذه الشروط جرى استيفاؤها، ولو بالشكل، حتى أن أول أعمال البرلمان المنتخب كانت المصادقة خلال أسبوعين، على عشرات التشريعات التي كانت قد صدرت بموجب مراسيم رئاسية اعتمدها الرئيس الانتقالي المستشار عدلي منصور الذي تقلد المنصب الرئاسي لمدة عام بصفته رئيساً للمحكمة الدستورية العليا.

استغرقنا الاهتمام بإنجاز استحقاقات الشكل، ولم نجد متسعاً في الوقت أو في الفكر للانشغال باستحقاقات المضمون. كانت الأغلبية من المصريين ترى وأنا معها، أن تحسين الظروف المعيشية، هو أهم وأول استحقاقات المضمون، لكننا قد نختلف كمصريين في ما بيننا حول المقصود بـ “المضمون”.

أعمال الإنشاءات بطول الوطن وعرضه، كبيرة جداً وممتدة، مدن جديدة تعيد رسم خرائطنا، بحيرات تعود الى الحياة، ترع تشق طريقها مجدداً، جامعات تقام، مدن صناعية تنهض، جيش يعزز قوته وشرطة تستعيد قوتها، شبكة علاقات دولية في افريقيا وفي شرق المتوسط تستعيد حضورها.. الكثير جداً من أعمال إعادة بناء المرافق العامة، يجري على قدم وساق، لكن السياق العام الذي يحتوي كل هذه الثورة الإنشائية ما يزال غائباً.

هذا السياق العام لا يمكن استحضاره، من دون استدعاء كل مقومات دولة القانون، ومن دون استحضار كل أدوات السياسة.

لا يمكن أن أكون شريكاً في الوطن بحصة من الدم، من دون أن أنال في المقابل حصة من الرأي، أتذكر دوما كلما ألح علي هذا الخاطر، كيف تلقيت لأول مرة، قصيدة “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” للعبقري الراحل أمل دنقل، حين قال:

“وها أنا في ساعة الطعانْ

ساعةَ أن تخاذل الكماةُ.. والرماةُ.. والفرسانْ

دُعيت للميدان !

أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن ..

أنا الذي لا حولَ لي أو شأن ..

أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان ،

أدعى إلى الموت.. ولم أدع الى المجالسة!”.

 

اليوم، على مشارف عقد جديد من العمر، لم أعد أخشى الغربة، ولم أعد أخاف أن لا تعرفني بلادي.. فأنا غارق في غربتي، خارج الوطن، وفي غربتي بعد عودتي إليه.. أكثر ما يزعجني في هذه اللحظة، وأكثر ما أتمناه، هو أن أستعيد سنيني التي راحت، بغض النظر عن المكان الذي أستعيدها فيه داخل الغربة أو خارجها.

تماماً، كما ألحت علي فيروز بالعودة من الغربة حين خوفتني من أن أكبر بها الغربة، وما تعرفني بلادي.. تُلِّح علي فيروز مجدداً وأنا على مشارف عقد جديد.. تستصرخ سنيني التي فاتت، وعمري المسروق قائلة:

“يا سنيني اللي رحتي ارجعي لي

ارجعي لي شي مرة.. ارجعيلي”.

صرخة في الفضاء لن تستعيد عمري المسروق مني، ولن ترد الي وطناً اغتربت كارهاً عنه واحتجت حين عودتي اليه الى كتالوج جديد لوطن تغيرت كثيراً ملامحه.

شارك المقال