سوريا الشّعب

الراجح
سوريا

مرّ أكثر من نصف قرن على مسح شخصيّة سوريا وهويّتها وتاريخها، وحتّى على كلّ ملامح مجتمعها، حتّى غدت تُعْرَف بـ “سوريا الأسد”، أو في أحسن الأحوال بـ”سوريا البعث”. وبهذا، فقد طغت هذه الهويات على الهوية الحقيقية لسوريا، ولم تكن يوماً، ولمدّة تزيد على خمسة عقود، “سوريا الشّعب”.

رحم الله الكاتب والأديب محمد الماغوط حين أصدر كتابه “سأخون وطني”. في المضمون، أطلق الماغوط إنذاراً استباقيّاً بخيانته للوطن قبل أن يقوم بفعله، وذلك في زمن تتستر فيه الخيانة خلف ستار السريّة. وقد حدّد الماغوط نوعين من الأوطان: أوطان مزوّرة للطغاة، وأخرى حقيقيّة للأحرار البسطاء. يرى الماغوط أن الأوطان المزورة لا تقدم لشعوبها سوى الكبت والذّل والفقر والحاجة، وهي سجون وقبور، والإنتماء إليها هو في حد ذاته خيانة للإنسان. كان قصده من إعلان خيانته هو التعبير عن رغبته في الانتماء إلى وطن يضمن الحرية والعدالة للإنسان، معتبراً أن الوطن الحقيقي هو الذي يوفر هذه القيم والمفاهيم وليس المكان الذي يولد فيه الإنسان وترجع إليه أصوله.

لم يشأ القدر أن يعيش الماغوط ليحظى برؤية نهاية عهد الطغيان، ولم يشهد ويساهم في بناء وطن الأحرار البسطاء. لم يبقَ ويشاهد الأحرار يحطمون السجون ويخرجون الآلاف ممن لا نعرف تهمتهم لأن أكثرهم لا يعرفون.

ولكن، ومع هذا التّغيير الدراماتيكي الّذي تبين حتّى الآن أنه سباق يشبه بسرعته سباقات الـ”فورميلا وان Formula One” بين تركيا واسرائيل، والأصح بين أردوغان ونتنياهو، وبرعاية أميركيّة، يضع سوريا الحرّة “الآن” أمام مخاطر كبيرة ستصيب المجتمع السوري وكل قواه السياسيّة المتنوّعة.

على الرّغم من كل الحماس والتأييد للتّغيير الحاصل في سوريا، لا بدّ من الانتباه إلى أنّنا، وبتعبير مجازي، وضعنا أنفسنا في سجن صيدنايا وباقي السجون في الوقت الذي تقوم فيه اسرائيل باحتلال إضافي في الجولان، وتعمل على تدمير كبير للبنية العسكريّة السوريّة. الحماس للتغيير لا ينبغي أن يعمينا عن المخاطر المحدقة بسوريا والتي قد تحوّلها بعد ذلك إلى دولة منزوعة السلاح تشبه لحد كبير الضّفة الغربيّة – ما يعرضها لمزيد من التهديدات الخارجية والداخلية!

لا أنكر فداحة ما نشهده من الوحشية الهمجيّة في ما يتعلق بسجن صيدنايا وسائر السجون، ولكنني أودّ التذكير بمشهد لافت يوم دخول المعارضة دمشق، حيث وفي اللّحظة نفسها الّتي كان يتصاعد فيها دخان الغارات الاسرائيلية على أحياء دمشق، كان هناك من يطلق الرصاص ابتهاجاً بالحرية، والتي لا يمكن أن تكون من دون السيادة!

أسئلة كثيرة حول الوضع السوري الحالي قد تحتاج إلى بعض الوقت، ليس للإجابة عنها، أو حتّى لطرحها، إلا شيئاً واحداً لا يمكن تأجيله ولا ليوم واحد، وهو حماية السوريين لـ”سيادتهم” ولقرارهم “المستقل”.

شارك المقال