“ما كان بإمكان قواتنا أن تفعله في سوريا هو العمل الاستشاري، وقد فعلته. لم يكن من المنطقي أن يقاتل جيشنا في سوريا بدلاً من الجيش السوري”. عبارة وردت في تصريح للمرشد الايراني علي خامنئي، كانت كافية ليتنصل من مسؤولية سقوط نظام بشار الأسد، مؤكداً أن “ما حدث في سوريا هو نتيجة لخطة أميركية إسرائيلية مشتركة”. وأوضح أن بلاده “تملك أدلة على تخطيط كل من أميركا وإسرائيل للانقلاب العسكري في سوريا”، ليعود ويشير إلى أن خسارة إيران الأكبر كانت في “حزب الله” وليس سوريا.
وفي السياق نفسه، أكد القائد العام للحرس الثوري الايراني اللواء حسين سلامي أن القوات الإيرانية “كانت آخر من غادر الأراضي السورية”، بعد سقوط نظام الأسد، معتبراً أن “من غير المنطقي أن يشارك الحرس الثوري والباسيج في بلد كان جيشه مجرد متفرج”. في موازاة ذلك، رأى وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي أن “ما كان مفاجئاً هو عدم قدرة الجيش السوري على الرد، والثاني هو سرعة التطورات غير المتوقعة”.
هذه المواقف لكبار القادة الايرانيين وفي مقدمهم المرشد الأعلى، طرحت تساؤلات عدة، أبرزها: هل هو تبرير للفشل الايراني في سوريا أم أن إيران كانت متواطئة لإسقاط نظام بشار الأسد، بعدما قرأت المشهد الاقليمي، منذ “طوفان الأقصى”، وما أعقبها من حرب إسرائيلية على “حزب الله”، أطاحت كبار قادته وبنيته وترسانته العسكرية؟ فعملية “طوفان الأقصى” كانت نقطة تحول فاصلة ومهمة على صعيد الشرق الأوسط، وما قبلها ليس كما بعدها، ولا سيما بالنسبة إلى دور إيران ومعها ما يسمى “محور المقاومة” الذي تلقى ضربات متتالية خلال الأشهر الماضية، بدأت بالقضاء على القدرات العسكرية لـ “حماس” ثم “حزب الله”، وأخيراً إسقاط نظام الأسد.
بغض النظر عن حقيقة الموقف الايراني، فمما لا شك فيه، أن طهران فقدت برحيل الأسد حليفاً أساسياً في ما يعرف بالمحور الايراني، ما أدى إلى تراجع نفوذها وقدرتها على الحفاظ على شبكتها من الجماعات المسلحة في شتى أنحاء الشرق الأوسط، كذلك خسرت الحليف الأساس في ما تسميه بـ “الهلال الشيعي” الذي كان يربط بين إيران والعراق عبر حدود لبنان وسوريا.
وتنبع أهمية سوريا من كونها كانت الممر اللوجيستي لخطوط الإمداد الايرانية إلى “حزب الله”، فضلاً عن كونها الحليف العربي الوحيد منذ الحرب العراقية – الايرانية، كما أنها كانت منفذاً لطهران على البحر المتوسط، ومن ثم ستضعف قدرة إيران على إعادة بناء “حزب الله” عسكرياً، والذي كان يعتمد على تدفق الأسلحة عبر سوريا.
نظام الأسد كان يحتل مكانة كبيرة في إستراتيجية إيران الاقليمية، ما يفسر لماذا استثمرت في سوريا عسكرياً ومالياً واقتصادياً، وعملت على خطوات “فرسنة” للمجتمع السوري وتأليب النعرات الطائفية فيه، إذ يقدر حجم ما استثمرته إيران “المأزومة” اقتصادياً في سوريا بما بين 30 إلى 50 مليار دولار، (يسود الجدل الداخلي في إيران حول جدوى ما أنفق على نظام الأسد، وأنه كان يمكن توجيه تلك الموارد الى الداخل الايراني).
لقد أدت حربا إسرائيل على “حماس” و”حزب الله” إلى خلق مشهد جديد في الشرق الأوسط، حيث أصبحت إيران في موقف دفاعي للغاية، بعدما سحقت إسرائيل محور المقاومة الايراني، ثم تم تفجيره عندما أسقطت المعارضة السورية نظام بشار الأسد، إذ لم يعد لها أي وكيل حقيقي في المنطقة سوى الحوثيين في اليمن، إضافة الى أوضاع “مقلقة” لميليشياتها في العراق. يضاف إلى هذه “الإنكسارات” الايرانية في المنطقة، أن جيشها أخفق في الرد على إسرائيل، عندما تم اعتراض غالبية الصواريخ الباليستية التي أطلقتها إيران على إسرائيل في تشرين الأول الماضي، على الرغم من أن بعضها تسبب في أضرار لعدة قواعد جوية فيما تسببت الضربات الاسرائيلية في أضرار جسيمة للدفاعات الجوية الايرانية وقدرات إنتاج الصواريخ.
هل هذه التحولات “الدراماتيكية” للنفوذ الايراني في الاقليم، يعني إستسلامها وخضوعها لمنطق “الهزيمة”؟ مما لا شك فيه أن النظام الايراني يتمتع بقدرة هائلة على الصمود، ولديه أدوات هائلة للقوة، لذلك ستسعى إيران إلى إعادة تموضع نفسها، وتعزيز ما تبقى من محور المقاومة، من أجل البقاء في مواجهة الضغوط، من خلال إعادة تقييم عقيدتها الدفاعية التي كانت تعتمد في المقام الأول على محور المقاومة، فضلاً عن دراسة برنامجها النووي، ومحاولة تقرير ما إذا كان من الضروري زيادة الاستثمار في هذا البرنامج لتوفير قدر أكبر من الأمن للنظام، ولاستعادة ما فقده من نفوذ في المنطقة. إيران التي لا تزال تحتفظ بورقة برنامجها النووي، هل تستخدمها لإعادة تعزيز نفوذها في المنطقة، بديلاً من سقوط “محور الممانعة”؟


