ماذا تبقى من القرار 2254؟ الواقع السوري بين ضغوط دولية وآمال الثورة

ماهر الحمدان

يشهد الملف السوري تسارعاً في الأحداث مع تصاعد الضغوط الدولية، خصوصاً من الدول الغربية والعربية، للالتزام بالقرار الأممي 2254 الذي كان يشكّل خريطة طريق نحو حل سياسي شامل للأزمة السورية. القرار يتضمن تشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحيات كاملة، في إشارة إلى تقاسم النفوذ مع النظام السوري. لكن، بعد مرور سنوات على اعتماده، يبقى تنفيذه بعيد المنال، وسط تغيرات جذرية في المشهد السوري.

في أعقاب نجاح الثوار في إطاحة جزء كبير من سيطرة النظام السوري، لم يبقَ من مؤسسات الدولة سوى هياكل خدمية هشة. تسعى حكومة محمد البشير، التي ورثت هذا الإرث الثقيل، الى إصلاح هذه المؤسسات وترميمها، مع التحول نحو اقتصاد حر يحرر سوريا من تبعات الاشتراكية التي كرّسها نظام الأسد لعقود.

في سياق متصل، صرّح مصدر في حكومة البشير بأن العمل جارٍ بقوة قصوى لإعادة بناء مؤسسات الدولة تدريجياً وتحسين الوضع الاقتصادي. وقال: “لا زلنا في طور استكمال البيانات ونحتاج إلى وقت لمتابعتها. أمامنا أشهر قليلة لتحقيق أولوياتنا، ونعمل على تجاوز هذه التحديات، لكننا بحاجة إلى معجزة لتحقيق التقدم المطلوب”. وأضاف أن المشاورات بشأن الدستور والانتقال السياسي والتعاون مع السوريين ستبدأ قريباً كجزء من جهود وضع أسس الدولة الجديدة.

على الرغم من هذه التحولات، يُعيد اجتماع العقبة الأخير تأكيد أهمية الدور العربي في الدفع نحو تنفيذ القرار 2254. لكن هذا المسار يُواجه عقبات كبيرة، إذ يرى البعض أن تنفيذ القرار قد يعني وضع سوريا تحت وصاية دولية عبر مبعوث سامٍ من الأمم المتحدة، وهو ما يثير حساسيات سياسية وشعبية.

مواقف متباينة والمعارضة في الهامش

السوريون اليوم يناضلون لبناء دولة مدنية ديموقراطية، لكن التجارب السابقة تجعلهم حذرين من تكرار أخطاء الماضي. المعايير التي تحكم الواقع السوري الحالي تختلف كثيراً عمّا كان عليه الحال عند صدور القرار. حكومة البشير، التي تمثل روح الثورة، تتمسك بمكاسبها وترفض أي خطوات قد تُفسَّر كتنازل عن انتصارها السياسي والعسكري.

في الوقت نفسه، هناك محاولات لتمهيد الطريق أمام قبول جزئي للقرار 2254، مع إشراك بعض ممثلي الفعاليات المجتمعية في العملية السياسية. هذه المحاولات تُواجه شكوكاً عميقة، إذ يرى كثيرون أن أي إشراك لبقايا النظام في هيئة الحكم الانتقالية هو بمثابة التفاف على أهداف الثورة.

من اللافت أن المعارضة السورية بمختلف أطيافها لم تُخطر بأي دور حقيقي في المرحلة القادمة. بحسب مصادر، يلعب حمودة الصباغ، بدعم روسي، دوراً في محاولة إشراك عناصر من النظام القديم في العملية الانتقالية، وهو ما ترفضه القوى الثورية بصورة قاطعة.

أحزاب معارضة أكدت لموقع “لبنان الكبير” أن أي صيغة تتضمن بقاء شخصيات من النظام، مهما كانت رمزية، مرفوضة تماماً. هذا الموقف يضع تحديات إضافية أمام الجهود الدولية، التي قد تجد صعوبة في التوفيق بين مطالب المعارضة ورغبة الأطراف الدولية في الوصول إلى تسوية شاملة.

مستقبل القرار 2254: رؤية المعارضة وأهمية التوضيح الأممي

القرار 2254 الذي كان يُنظر إليه كحل للأزمة السورية، يبدو اليوم في مهب الريح. الواقع السياسي والميداني تغيّر، والثورة السورية، التي نجحت في تحقيق جزء من أهدافها، لا تزال تقاوم محاولات إعادة تدوير النظام.

مع ذلك، يبقى هناك أمل في أن تُفضي التحركات الدولية والعربية إلى تسوية تراعي مطالب الشعب السوري في بناء دولة ديموقراطية مدنية، بعيداً عن أي وصاية خارجية أو عودة لرموز النظام السابق.

يرى آرام الدوماني، أمين سر التحالف السوري الوطني، في تصريح لموقع “لبنان الكبير”، أن القرار الدولي 2254 يحمل جوانب إيجابية قد تتيح إشراك جميع السوريين في الحل السياسي، لكنه يُحذّر من احتمالية فرض معادلة تتضمن إشراك بقايا النظام في هيئة الحكم الانتقالية أو منح دور لشخصيات تنفذ أجندات ومصالح دولية بعيدة عن احتياجات سوريا الحالية.

ويعتبر الدوماني أن على قوى الثورة السورية تجاوز التباينات والعمل معاً من خلال حوار جماعي يثمر عن رؤية موحدة تُعرض على إدارة العمليات المشتركة وحكومة البشير، لضمان تنفيذ مرحلة انتقالية مكتملة الأركان، تكون سورية خالصة بعيداً عن الاملاءات الدولية. كما يشير إلى أهمية وضع الأمم المتحدة والدول العربية والغربية في صورة أي تفاهمات يتم التوصل إليها، لكنه يشدد على أن الحديث عن إشراك بقايا النظام يُعد التفافاً على الثورة السورية وانتصارها.

ويدعو الدوماني الأمم المتحدة إلى تقديم تفسير واضح ومحدد لبنود القرار 2254، الذي كان غامضاً في كثير من التفاصيل منذ صدوره، مؤكداً أن أي خطوات لتنفيذه تحتاج إلى وضوح كامل قبل البدء بها.

أما أحمد النميري، عضو مجلس العشائر العربية في القنيطرة والجولان، فصرّح لموقع “لبنان الكبير”، بأن الوقت حان لحوار بناء بين قوى الثورة السورية، على أن يتم بالتعاون مع شخصيات مجتمعية فاعلة ومؤثرة، مع رفض قاطع لأي مشاركة لبقايا النظام.

وأشار النميري إلى أهمية الدعم العربي لقوى الثورة السورية التي قدّمت تضحيات كبيرة لمنع المشروع الايراني من التمدد في سوريا، مؤكداً أن بقايا النظام كانوا أعواناً رئيسيين في تنفيذ هذا المشروع، بما في ذلك إغراق الدول العربية بمخدرات الكبتاغون.

يبقى القرار 2254 محورياً لتحقيق تسوية سياسية سورية، لكنه يواجه تحديات متعلقة بتفسيره وتنفيذه. يرى مراقبون أن نجاح القرار يعتمد على وضوح الأمم المتحدة في تفسيره، وضمان توافق داخلي بين قوى الثورة، إلى جانب دور عربي داعم يوازن بين المصالح الوطنية السورية والإرادة الدولية.

شارك المقال