سوريا رهن الاختفاء القسري

عبد المنعم مصطفى

الأبدي هو الذي لا نهاية له.

الأزلي هو الذي لا بداية له.

الأمدي هو ما بين البداية والنهاية.

السرمدي هو ما لا بداية له ولا نهاية.

من أنت بين هؤلاء؟ لا يمكنك قطعاً أن تكون أبدياً بلا نهاية، ولا يمكنك أيضاً ان تكون أزلياً بلا بداية، ولا يمكنك بالطبع ان تكون سرمدياً بلا بداية ولا نهاية.. أنت إذن أمدي، تقع حياتك المادية بين شهقة ميلاد أولى وزفرة موت أخيرة.

بين الشهقة الأولى والزفرة الأخيرة يولد تاريخ، جل وقائعه شهقات أولى وزفرات أخيرة.

علمونا في كتب التاريخ، أن الأيام دول، رأينا إمبراطوريات تنهض وتنمو وتكبر وتتسع حتى تسيطر على مناطق جغرافية مختلفة، وعلى شعوب متباينة الأصول والأعراق والثقافات. لكننا رأينا هذه الامبراطوريات تضعف وتشحب وتنهزم وتنسحق وتتلاشى.

بالإبداع البشري لأدوات القوة، راحت الجغرافيا تتمدد، والتاريخ يتعمق، لكن تمدد الجغرافيا وتعمق التاريخ ظلا دائماً حبيسي المدى بين شهيق ميلاد الحضارة وزفير موتها.

في نصف القرن الأخير، تطورت أدوات القوة، ومعها كثير من مفاهيم السيطرة، حتى أعلن الأميركيون في لحظة استفراد نادرة بقمة النظام الدولي، عزمهم على السيطرة على قرن كامل، قالوا انه يجب أن يكون أميركياً.

أرادت أميركا السيطرة على العالم لمائة عام كاملة، كان اعتقادها وقتها، أن من يسيطر على المائة عام الأولى سوف يسيطر بالتداعي المنطقي، على مئات أخرى مقبلة من السنين، لكنهم اكتشفوا بعد ربع قرن فقط، استحالة تحقيق هذا الهدف، وتحولوا من أمة تسعى الى سيطرة مطلقة على كوكب الأرض، الى أمة تتطلع الى تقليص خسائرها، ومحاولة حماية ما تحت يدها من مناطق نفوذ وتأثير.

في السنوات العشر الأخيرة، راحت أميركا بواقعية تامة، تدير مشهد هبوط آمن لإمبراطورية عملاقة، رأينا وسمعنا الرئيس الأميركي السابق باراك اوباما، يتحدث في الأزمة التي صاحبت الاضطرابات في ليبيا، عما أسماه “القيادة من مقعد خلفي”، ثم رأيناه في الأزمة السورية يتحدث عما أسماه “الشراكة الأمامية” أي القيادة من مقعد بجوار السائق، وبوصول دونالد ترامب الى البيت الأبيض، بدا وكأن تغييراً يجري، لكن جوهر التغيير ربما اعترى المسميات من دون أن يبدل الواقع، فثمة ادارة منتظمة لمشهد تراجع إمبراطوري لأمة أدركت استحالة السيطرة على التاريخ، واختارت بواقعية أن تظل صاحبة النصيب الأوفر من القدرة على التأثير في حركته.

المشهد في سوريا عنوان لهذه القصة برمتها، كان البعض هناك يحاول إيقاظ امبراطورية فارس من رقدة العدم، بينما كان البعض الآخر يحاول إعطاء قبلة الحياة للإمبراطورية العثمانية قبل حلول الذكرى المئوية الأولى لسقوطها الأخير، فيما يوقظ الروس أحلام القياصرة بوجود دائم في المياه الدافئة، بينما يتحدث أميركيون عن سيطرة دائمة على 30% من أراضي سوريا.

كل من جاءوا الى سوريا كانوا يخططون لوجود أبدي.. روسيا استطاعت الحصول على قاعدتين بحرية في طرطوس وجوية في حميميم، ورجب طيب أردوغان يتطلع الى ارتباط دائم في حلب وادلب، وإيران موجودة بالفعل في مناطق مختلفة من سوريا ينظم بعض رجالها المرور فيها ويقيمون الحواجز الأمنية على الطرق السريعة بها، بينما الأميركيون سيطروا تماماً أقله على ثلث التراب السوري.

لدى اسرائيل أيضاً وجود دائم في الجولان السوري المحتل منذ أكثر من خمسين عاماً.

الوجود الدائم لهذه القوى فوق التراب السوري، يعني ببساطة اختفاء قسري دائم لخريطة سوريا الموحدة، جرى التمهيد نظرياً له بالحديث عما يسمونه “سوريا المفيدة” وكأنما خريطة سوريا قبل التقسيم كانت خريطة سوريا الضارة، ولم يقل لنا أصحاب طرح سوريا المفيدة، عمن هو المستفيد من سوريا المفيدة، أو بعبارة أخرى “المفيدة لمن”؟

لا توجد خرائط أبدية، ولا أزلية، ولا سرمدية.. ديناميكية التاريخ لا تسمح لها بذلك، لكن لدى الشعوب بصفة عامة اعتقاد راسخ بالخلود، فهي باقية والامبراطوريات التي تعاقبت عليهم زائلة.

مجرد البقاء ليس صنواً للخلود، الأول تكفله قوانين الطبيعة حتى للفطريات والكائنات الدقيقة، والثاني يصنعه امتلاك أدوات القوة، وكفاءة الاستخدام الحصيف لها.

سوريا التي خسرت الحضور والتأثير والوحدة والاستقرار، تترقب ما يمكن أن تفرزه صراعات القوى المتنافسة فوق ترابها، من حقائق جديدة، أما وقد انقضت إسرائيل على أعز مقومات الجيش السوري من مكونات للقوة سعت سوريا الى مراكمتها فوق أرضها على مدى ثلاثة أرباع القرن، فإن ما ينتظر سوريا، لا يحمل على الطمأنينة، لا لسوريا ولا لعرب الاقليم.

المشهد الراهن في سوريا، لا يعكس سوى طور انتقالي لدولة توشك أن تتبدد مكوناتها وسط تجاذبات الخصوم والأعداء وحتى الحلفاء.

المخاض السوري الراهن، هو أعنف ما في المخاض الاقليمي المستمر منذ اندلاع ما سمي زوراً بالربيع العربي. وما لم تسعَ القوى العربية الفاعلة في المنطقة الى ضمان وحدة التراب السوري، ووحدة السلاح السوري، فإن مستقبلاً غامضاً ينتظر الجميع.

شارك المقال