حسب رواية جدتي لأمي، فقد كان جدي الأكبر علي منصور، من الميسورين نسبياً بمحافظة المنيا في صعيد مصر، وكانت لديه ورشة كبيرة لـ”البرشام” حسب قولها.
و”البرشام” وهو بالانكليزية (Rivet) مثبتات ميكانيكية دائمة، تستخدم في إقامة الكباري (كوبري امبابة مثلاً) وصناعة السفن وهياكل الطائرات، لكنه كان في زمن جدي الأكبر يستخدم في الصناعات الخفيفة وبعض الماكينات (ساقية – طنبور – ماكينة طحين)، وهو ما أهّل جدي لأبي (عبد العزيز علي) وشقيقه الأصغر جدي لأمي (حافظ علي) للالتحاق بورش السكك الحديدية بالقاهرة في وظيفة “برشامجي” فيما بعد، وقد سمعت في طفولتي المبكرة، أحد الأقارب الوافدين من الصعيد، حيث جذور لم أرها، يتحدث الى أبي عن مثل شعبي زعم أنه شائع عندهم ، يتناول حزم جدي الأكبر وعزمه اذ يقول “إمشي على كعبك لعلي البرشامجي يقع بك”.
توفي جدي علي منصور “البرشامجي”، بالمنيا تاركاً أحد عشر ابناً من الذكور، وابنة واحدة.
تروي لي جدتي لأمي، وكانت تتمتع بروح دعابة نادرة، كيف جرى توزيع التركة على أبناء علي منصور، وكيف تصرف كل منهم في نصيبه منها، اذ تروي أن الأبناء باعوا ما تركه أبوهم من أراض وعقار، وحمل كل منهم حصته منها ورحل أغلبهم باتجاه بحري (شمالاً). توقف بعضهم في أبوقرقاص وأتليدم، وبني سويف والفشن والفنت، ومغاغة، وهكذا مضوا باتجاه الشمال حتى توقف جدي لأبي (عبدالعزيز علي) في القاهرة بمنطقة روض الفرج، ومعه أخوه جدي لأمي (حافظ علي) حيث التحق كلاهما في العمل بورش السكك الحديدية في السبتية، بروض الفرج، وهي آنذاك بين أفضل جهات العمل الحكومي وأكثرها استقراراً، فيما التحق أخاهم مدكور بالأزهر، بينما واصل بعض اخوتهم الاتجاه شمالاً، فتوقف أحدهم في أبوالغيط بمحافظة القليوبية، ومضى أحدهم الى مليج بمحافظة المنوفية.
أحد أجدادي من أبناء علي منصور، وهو مصطفى الذي حمل أبي اسمه، احتفظ بورشة أبيه، وطوّرها، ليقيم فروعاً لها لاحقاً في بعض مراكز محافظة المنيا، أما أحدهم وهو محمد علي فقد اشترى بحصته في الإرث صفقة من الحمير (هكذا تقول جدتي لأمي وقد استغرقت في الضحك حتى اغرورقت عيناها بالدموع) وسافر بها متجهاً الى الشمال (بحري) لكنه حين اقترب من القليوبية كان عدد لا بأس به من الحمير قد نفق في الطريق!
في القاهرة استقر الأبناء الثلاثة، مدكور وعبد العزيز وحافظ، والأخير هو جدي لأمي الذي اشترى بيتاً يبعد عن النيل بحوالي ثلاثمائة متر، كان يشبه الى حد التطابق بيت السيد أحمد عبد الجواد كما وصفه نجيب محفوظ في رواية “بين القصرين” الشهيرة.
أما جدي لأبي فقد امتلك مع أصهاره، بيتاً أكبر يطل على نيل روض الفرج بواجهة طولها ثمانية وعشرون متراً، وهو مسقط رأسي حيث ولدت فيه.
استقر أبناء علي منصور “البرشامجي” الثلاثة، عبد العزيز وحافظ ومدكور، في روض الفرج، وارتبطوا بمصاهرات، عززت ارتباطهم بالحي المطل على النيل، يجاوره حي بولاق جنوباً وحي المبيضة شمالاً، أما ساحل روض الفرج فكان يضم أشهر المسارح التي كانت تتنافس على نقل أموال كبار تجار الغلال والقطن والخضار، الى صدور راقصات كن ينلن النصيب الأوفر من المال، كلما سمحت مرونة خصورهن بالتمايل قرب جيوب التجار المنتفخة بأوراق النقد ذات المئذنة فئة عشرة جنيهات، وقد سمعت بنفسي ورأيت بعضهم، يتباهى أنه كان يشعل السيجارة لإحدى الراقصات الشهيرات مستخدماً “ورقة بمدنة”.
على بعد أقل من كيلومترين فقط، من مسارح روض الفرج حيث يتبارى نجيب الريحاني وعلي الكسار كل ليلة، لجذب الزبائن، كان بيت جدي لأمي يفيض بالدفء والحميمية، فهو من ثلاثة طوابق، لا تتجاوز مساحته مائة وعشرين متراً، لكن تخطيطه وهندسته، كانا يتيحان هذا الدفء وتلك الحميمية، وكان يبعد عن بيت جدي لأبي بحوالي مائة متر فقط.
اما بيت جدي لأبي فكان يعكس البراح والسعة، والألفة، وكان موقعه في روض الفرج على مقربة من النيل يجعله مركز الحي أو عاصمته، اذ كان بعض الجيران يستأذن في استخدام الحوش (الفناء الأمامي) والحديقة (الفناء الخلفي الذي تحول لاحقاً الى حوش مدرسة ابتدائية)، لإقامة بعض حفلات الزواج، أو لاستضافة ندوات انتخابية لمرشحي مجلس النواب، وقد شهدت بعضها في طفولتي المبكرة أيام انتخابات هيئة التحرير والاتحاد القومي، بينما كان بعض الملحنين والفنانين من أصدقاء أعمامي ووالدي، يتردد على منزلنا في أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات، لعمل بعض البروفات ومنهم الفنان أحمد عبد القادر الذي لحن أغنية “وحوي يا وحوي” في بيتنا، كما استقبل البيت أيضاً الفنانات شريفة فاضل ونجاة الصغيرة وفايدة كامل، اللائي كن يجرين البروفات ويحفظن الألحان في منزلنا برفقة أحمد عبد القادر، وتروي لي أمي، كيف جاء أبي من الفراندا (التراس) حيث يجلسون، ليطلب من أمي أكثر من بشكير تغطي به الفنانات الثلاث سيقانهن العارية أثناء الجلوس.
عاش جدي لأبي حتى عام ١٩٢٧، ورحل عن عمر يناهز الثانية والخمسين، أما جدي لأمي وكان مهتماً بالشأن العام وبالسياسة، فقد عاش حتى عام ١٩٤٨، ليرى أياماً عصيبة اجتازتها مصر كلها، بسبب سياسات حكومة اسماعيل باشا صدقي، تجاوباً مع الكساد العظيم الذي ضرب العالم في العام ١٩٢٩.
لم يكن تعطيل دستور ١٩٢٣، وإصدار دستور صدقي في عام ١٩٣٠، هو أسوأ ما قامت به حكومة اسماعيل صدقي، فالرجل قام بتسريح معظم موظفي الدولة وبينهم جدي لأمي، الذي وجد نفسه فجأة عاطلاً بلا عمل ولا راتب، ما زلزل حياته كلها، واضطر جدي لأمي (حافظ علي)، الى مشاركة أحد أصهاره في فتح دكان للدقيق، استعانا به معاً على مواجهة أعباء الحياة، وحين بدا له أن تجارة الدقيق لا تفي بما يكفي لتغطية احتياجات أسرته، أضاف اليها دكاناً لتجارة المانيفاتورة (الأقمشة ومستلزمات الملابس) ما ساعده على مواجهة الضغوط الاقتصادية التي فرضتها حكومة اسماعيل صدقي، الى أن تم إجبار الملك فؤاد على العودة للعمل بدستور ١٩٢٣، وإلغاء دستور صدقي الخادش للحياء العام.
يروي لي أبي، كيف تبدلت حياة المصريين في عهد حكومة صدقي باشا، حتى أن أكثرهم يسراً من أصحاب الوظائف العامة، كانوا يقفون “بالبيجاما والقبقاب” قرب كوبري امبابة ليبيعوا عيدان القصب وبعض الخضروات لقاء ملاليم قليلة.
في مرحلة الكساد العظيم، وتوابعها على حياة المصريين، اعتاد جدي أن يستقبل بعض أصدقائه المعنيين بالشأن العام، يجلسون أمام دكانه، أو عند جاره العلاف (تاجر الحبوب) ليقرأوا معاً ما تقوله صحف مثل “المقطم” و”الأهرام” و”الاثنين”، كانوا على حد قول جدتي ينتظرون الفرج، ويفتشون عنه كمن يفتش عن إبرة في كومة من القش. الى أن جاء الفرج بسقوط حكومة اسماعيل صدقي ودستوره معاً في عام ١٩٣٣.
ذهب صدقي ودستوره، لكن آثار الفقر الذي أنتجته سياساته، أوشكت على تغيير الخريطة الاجتماعية في مصر اذ هبطت بكثيرين من العائلات الميسورة الى حيث لا يتخيل أحد، بينما خرج المستورون من تحت خط الستر الى تحت خط الفقر.
اعتاد المصريون التعايش مع شُح الموارد، لكن ارتباطهم بالأرض لم يتغير، فلم أسمع أن أحداً من أقربائي قد سافر للعمل بالخارج، أو أنه هاجر أو فكر في الهجرة، فقد واصل المصريون الايمان بفكرة عبرت عنها لاحقاً الفنانة عفاف راضي في أغنية “بحبك يا مصر”. تقول الفكرة: “ضلة جنب نيلك تسوى ألف قصر”. الى أن نزلت بنا هزيمة يونيو (حزيران) ١٩٦٧، التي تغير معها العالم من حولنا والأرض من تحتنا، والأفكار التي اعتنقناها على مدى قرون. فتغير معها المصريون وتبدلت أحوالهم. وزحفت على مجتمعهم ثقافة الصحراء.


