في قلب المشهد السوري المتشابك، تبرز منطقة شمال شرق البلاد كأحد أبرز التحديات التي تواجه الدولة السورية في مرحلة إعادة البناء. تحاول قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، التي تُعدّ سلطة الأمر الواقع في المنطقة، تثبيت وجودها ضمن معادلة الحكم المستقبلية. وبينما تطمح “قسد” الى الاحتفاظ بكيانها الحالي داخل مؤسسات الدولة من دون الانصهار الكامل فيها، تواجه هذه الرؤية رفضاً صارماً من دمشق، التي ترى في ذلك تهديداً لوحدة السلطة المركزية. وعلى الرغم من استمرار النقاشات، يبقى مطلب طرد قيادات حزب العمال الكردستاني (PKK) من صفوف “قسد” مسألة لم تُطرح بعد، ما يعمّق الهوة بين الطرفين.
الحكومة السورية في دمشق وجهت رسالة واضحة الى “قوات سوريا الديموقراطية”، إما تسلّم مناطقها ومؤسسات الدولة وتنخرط بصورة كاملة وتتخلى عن ارتباطها بحزب العمال الكردستاني، أو ليس أمامها سوى القتال. تركيا، من جانبها، تضغط بصورة متزايدة لتحقيق أهدافها الأمنية، وتحديداً تأمين حدودها في ظل تزايد قوة “قسد” وتعاظم تسليحها وتدريباتها، معتبرة أن هذه القوة تخضع بصورة كاملة لأمرة قياديي حزب العمال الكردستاني وهو ما يشكل خطراً بالغاً على الأمن القومي التركي.
على الرغم من كل الوساطات والحديث الأميركي حول اتفاقات الهدنة، تؤكد تركيا رسمياً عدم وجود أي اتفاق هدنة مع “قسد”. ومع ذلك، تواصل تركيا حشد قواتها وحلفائها من الجيش الوطني السوري على الحدود قرب مدينة عين العرب/كوباني، في مشهد يعكس تصميمها على إزالة ما تعتبره خطراً وجودياً يمثله حزب العمال الكردستاني. يبدو أن أنقرة تسعى الى استغلال الأيام الأخيرة من ولاية الرئيس الأميركي جو بايدن، وربما تتوغل عسكرياً في الأيام الأخيرة من حكمه. ويُعتقد أنها قد تجد في عودة الرئيس السابق دونالد ترامب فرصة لعقد صفقات جديدة تضمن استمرار ضغوطها وإنهاء مشروع حزب العمال الكردستاني في سوريا.
جهود التحالف الدولي وتحديات الاستقرار
وسط هذه التعقيدات، تسعى “قسد” إلى تأمين دعم حلفائها الدوليين لضمان الاستقرار ومواجهة الضغوط التركية المتصاعدة. في اجتماع عُقد مؤخراً بمدينة الرقة، جمع الجنرال مظلوم عبدي بقيادات التحالف الدولي وشيوخ العشائر المحلية، سادت أجواء من القلق المشوب بالأمل.
استهل مظلوم حديثه بتأكيد أهمية التلاحم بين مكونات شمال وشرق سوريا كشرط أساسي للدخول بقوة في أي عملية سياسية مقبلة. كما أشار إلى أن تركيا تستغل الوضع الراهن عبر الفصائل المسلحة لتنفيذ هجماتها، لكنه أكد العمل مع الولايات المتحدة على إرساء وقف دائم لإطلاق النار.
وأوضح الجنرال الأميركي المشارك في الاجتماع أن التحالف الدولي، الذي كان يتجنب في السابق دخول الرقة بسبب وجود القوات الروسية، أصبح اليوم أكثر انخراطاً في دعم المنطقة، مُبرزاً التزامهم بتقديم المساعدة اللازمة.
كوباني ومنبج: بين الديبلوماسية والمخاوف العسكرية
في عين العرب/كوباني، المدينة التي تعد عاصمة “قوات سوريا الديموقراطية”، تدور مشاورات مكثفة بين قيادة “قسد” والجانب الأميركي، حول مستقبل المدينة والعملية التركية المرتقبة.
بينما شهدت لقاءات مع شخصيات بارزة مثل السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام والديموقراطي فان هولن تُظهر جدية المساعي الأميركية في ممارسة ضغوط اقتصادية على تركيا لوقف هجماتها. في الوقت ذاته، تُعقد مباحثات مع مسؤولين أميركيين كبار لضمان بقاء القوات الأميركية بصورة دائمة في المنطقة، مع السعي نحو وقف إطلاق نار شامل ومستدام.
في خضم هذا المشهد، أفاد مصدر في غرفة عمليات “فجر الحرية” بأنهم يجهزون أنفسهم لمعركة حاسمة ضد “قوات سوريا الديموقراطية”، مؤكداً أن عملياتهم لن تتوقف عند مدينة عين العرب/كوباني. وأوضح المصدر أن الهدف الأساسي يتمثل في إنهاء هيمنة حزب العمال الكردستاني على المنطقة.
في المقابل، تواجه “قوات سوريا الديموقراطية” أي تحركات معارضة في المنطقة بردود فعل مشابهة لتلك التي اعتاد عليها النظام البعثي، من خلال الاعتقالات والتضييق والتعامل مع الأحداث باعتبارها مؤامرات تستهدفها. ومع ذلك، تغيب في هذه الاستجابات أي إشارات إلى حوار بنّاء أو تسليم إدارة المناطق للعرب المحليين ليتولوا حكمها بأنفسهم، ما يساهم في تعميق التوترات.
أما في منبج، فقد جاء قرار الانسحاب من المدينة بناءً على توصية أميركية تهدف إلى تهدئة التوتر مع تركيا. ومع ذلك، لم تقف “قسد” مكتوفة الأيدي، بل كثّفت استعداداتها لمواجهة أي سيناريو عسكري قد يفرضه الواقع المتغير.
لقاء حقل العمر: المطالب الشعبية ورؤية المستقبل
على الضفة الأخرى من نهر الفرات، شهد حقل العمر اجتماعاً مهماً حضره الجنرال مظلوم عبدي، زعيم “قوات سوريا الديموقراطية”، إلى جانب مسؤولين أميركيين وضباط أردنيين. كما حضر اللقاء عدد من وجهاء عشائر دير الزور المقربين من “قسد”. لكن، تم إقصاء العديد من الفعاليات السياسية والعشائرية المهمة في المنطقة التي تمثل رأياً آخر في الوضع الراهن.
طرحوا مطالب واضحة شملت وجهة نظر “قوات سوريا الديموقراطية” المتمثلة في حماية المنطقة من التهديدات التركية، وتعزيز وحدة سوريا عبر الحوار مع السلطات الجديدة في دمشق. كما أشاروا إلى خطر تنظيم “داعش”، الذي لا يزال يشكل تهديداً ملموساً على الرغم من الهزائم التي مني بها.
وفي ردّه، شدد الجنرال مظلوم على أهمية وقف إطلاق النار في جميع المناطق السورية، مع ضرورة العمل على بناء حوار سياسي شامل يضمن تمثيل جميع الأطياف. وأضاف أن الحفاظ على الاستقرار يتطلب حلاً مستداماً، ليس عبر التفاهمات الدولية وحسب، ولكن أيضاً عبر ضمان مشاركة حقيقية للمكونات السورية في صنع القرار.
على الصعيد السياسي، تواصل “قسد” جهودها لتعزيز التواصل مع جميع الأطراف الفاعلة. يُرتقب انعقاد اجتماع في دمشق، يُشارك فيه ممثلو المجتمع المدني من شمال وشرق سوريا، في محاولة لفتح باب النقاش حول مستقبل البلاد. يأتي هذا ضمن مساعي “قسد” لتثبيت رؤيتها لسوريا جديدة تشمل جميع مكوناتها العرقية والدينية، بعيداً عن سياسات الإقصاء حسبما تزعم.
في المشهد السوري الراهن، يبدو شمال شرق البلاد وكأنه يسير على خيط رفيع بين الاستقرار والفوضى. التحديات كبيرة، بدءاً من الضغوط التركية، مروراً بالانقسامات الداخلية، وصولاً إلى خطر عودة تنظيم “داعش”. ومع ذلك، يبقى الأمل معقوداً على جهود دولية وإقليمية تهدف إلى بناء سوريا جديدة تُحقق التوازن بين الحفاظ على وحدة الدولة وضمان حقوق جميع مكوناتها.


