فيما ينقص عدّاد الأيام، ويزداد عدّاد المرشحين لجلسة انتخاب رئيس للجمهورية في التاسع من كانون الثاني المقبل على وقع تفاؤل بوضع حدٍّ للشغور المستمرّ منذ تشرين الأول 2022، جاء إعلان وليد جنبلاط دعم قائد الجيش العماد جوزيف عون، لترتفع سخونة المعركة، خصوصاً وأن الرئيس نبيه بري أكد مراراً أن هذه الجلسة ستبقى مفتوحة الى حين انتخاب رئيس، عكس الجلسات السابقة التي كانت تنتهي بفقدان نصاب النواب الحاضرين. فقد أصبح عدّاد المرشحين 8، بينهم 3 نواب هم: إبراهيم كنعان، نعمت افرام وفريد هيكل الخازن، و3 عسكريين: العماد عون، المدير العام للأمن العام بالوكالة اللواء الياس البيسري، والسفير السابق في الفاتيكان العميد جورج خوري، و2 من الاقتصاديين: الخبير الدولي للشؤون المصرفية سمير عساف ورئيس المجلس الأعلى للخصخصة زياد حايك.
ومع ارتفاع بورصة الترشيحات، فإن ثمّة كلاماً عن أن الادارة الأميركية انتقلت من مرحلة وصول أي رئيس للجمهورية لإنهاء الشغور، إلى مرحلة وضع “فيتو” على أسماء لا تنطبق عليها مواصفات الوضع السياسي الراهن في لبنان، حيث تكشف المصادر المتابعة أن الضغط الأميركي بدأ لانتخاب رئيس مع انتشار كلمة سر أميركية بأن واشنطن تريد إيصال قائد الجيش إلى بعبدا، لما يتمتّع به من مواصفات مطلوبة لإدارة المرحلة المقبلة، وتتلاءم في الوقت نفسه مع تلك التي توقفت عندها اللجنة الخماسية التي تضمّ السعودية وقطر وفرنسا ومصر والولايات المتحدة، أبرزها التزامه بالقرارات الدولية، خصوصاً القرار 1701، وتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار والمرحلة التي تليه، بحيث أن الرئيس المقبل ستكون أولى مهماته تطبيق القرار الأممي 1701 كاملاً وكذلك تصويب دور لبنان العربي وانتشال الاقتصاد الوطني من الوضع الذي يعيشه.
فالانتخابات الرئاسية لا تتم بمساعٍ لبنانية صرفة، بل في النهاية هناك أكثر من لاعب إقليمي ودولي في هذه الانتخابات لا سيما في هذه المرحلة، ولبنان إلى حد كبير بات تحت رقابة دولية أميركية- فرنسية، وبصورة عامة أطلسية، تحديداً بعد سقوط النظام السوري الذي كان له أزلامه في الداخل اللبناني.
وأتى ترشيح “اللقاء الديموقراطي” لقائد الجيش بعد زيارة جنبلاط فرنسا قبل أيام ولقائه الرئيس إيمانويل ماكرون، وكذلك اجتماعه مع الرئيس بري، وما سُرّب عنه من أجواء حول عدم وجود أي فيتو من حركة “أمل” و”حزب الله” على قائد الجيش، حتى وإن كان الثنائي لا يزال يدعم ترشيح رئيس تيار “المردة” سليمان فرنجية، على الرغم من أن مصادر “الثنائي الشيعي” تؤكد أنه لا يزال يتحفظ على عون، لاستشعاره أنه مازال بإمكانه التحكّم بمسار الانتخابات الرئاسية بمعنى تعطيلها ريثما يأتي رئيس في كنفه، في الوقت الذي لم تَعُد التطورات المتلاحقة في لبنان وسوريا، التي تركت ندوباً عميقة على واقع “حزب الله” ووزنه الداخلي وأخرجته من المعادلة الاقليمية، تسمح لهذا الثنائي بأكثر من المساهمة في عملية الانتخاب عبر نعم أو لا لمرشّح أو آخر.
إن موقف جنبلاط لعله يعكس رغبة واضحة وجدية لدى واشنطن تحديداً وباريس وبقية العواصم الأوروبية، في وصول عون إلى الرئاسة، على الرغم من أن لديه موقفاً من وصول شخصية عسكرية إلى السلطة، خصوصاً بعد تجربتي الرئيسين السابقين إميل لحود وميشال عون، ويحاذر جنبلاط في مقاربته للانتخابات الرئاسية أي خطوة ناقصة ويَحرص على تبني ترشيح شخصية تحظى بدعم أقله كتلة مسيحية وازنة.
لا شك في أن هناك ترابطاً زمنياً طبعاً بين زيارة جنبلاط إلى باريس ومن ثم الرئيس بري، ليخرج بعدها من دون أن يتمهّل أو يوسع مشاوراته، ويعلن تكتله تأييد ترشيح قائد الجيش، ما يعني أنه رأى التأثيرات الدولية وعلاقتها بالوضع الداخلي اللبناني ومساره. فهل جنبلاط واثق إلى المكان الذي ستذهب إليه الأمور، وسمع شيئاً حاسماً من الرئيس ايمانويل ماكرون، الذي يميل الى عون ولا يرفضه؟ وهل لمس انفتاحاً من بري على خيار عون، وبالتالي إستعداده لمحاولة إقناع “حزب الله” بالمضي في خيار عون؟
قد يكون جنبلاط قد إلتقط إشارات بوجود توجه فرنسي أو تقاطع بين باريس وواشنطن لدعم قائد الجيش، ولكن لا شيء حاسماً بعد، وهناك معطيات عدة تفيد بأن اللجنة الخماسية المعنية بملف الرئاسة، تدعم أكثر من اسم، بينها عون، الأمر الذي يستوجب مروحة من الاستطلاعات والرصد لمبادرة جنبلاط، وما إذا كانت ذات أبعاد إستراتيجية، تعكس الرغبة “الغربية”، أم أنها تكتيكية لتحريك “مياه” الرئاسة الراكدة؟ على الرغم من مجاهرة جنبلاط بترشيح عون، فإنه لن يتبين ما إذا كان قائد الجيش سيخلع بذلته العسكرية، ليرتدي الزي الرسمي الرئاسي.


