كيف أعاد العام 2024 خلط الأوراق وهيكلة الشرق الأوسط؟ سؤال طرحته قراءة في موقع “فايننشال تايمز” الأميركي. وسلطت القراءة الضوء على رمزية هذا العام الذي انقلبت فيه المنطقة رأساً على عقب.
ووفقاً للقراءة التي تحمل توقيع مدير الأمن الاقليمي في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إميل حكيم، “إذا كان هناك من توقيت يشهد على إعادة صياغة التفضيلات في ما يتعلق بشؤون الشرق الأوسط، فهو العام 2024. وشهد العالم بدءاً من أكتوبر 2023 سلسلة أحداث بلا مثيل ومجموعة من الحلقات المأساوية والمذهلة والاستراتيجية التي ستستمر تأثيراتها من دون أدنى شك على المدى الطويل.
وفي المنطقة، تخضع المجتمعات التي تتميز بتنوعها وهشاشتها لتحولات تاريخية جذرية. ومن خلال القيام بذلك، من غير المرجح أن تحصل على الكثير من المساعدة الخارجية نظراً الى التردد المحلي والارهاق العالمي. ويصاحب إعادة ترتيب المنطقة عنف كبير ومنافسة متجددة.
مأساة غزة
ويشهد الفلسطينيون معاناة غير مسبوقة في غزة. وتشكل هذه المعاناة تذكيراً بأن المسار الوحيد لإقامة الدولة الفلسطينية يقتضي تدويلها والتوصل إلى نتيجة تفاوضية. وقد برز التحالف من أجل حل الدولتين باعتباره الوسيلة الأكثر ترجيحاً لتحقيق هذه الغاية. ويتعين على الفلسطينيين أن يقتنعوا بأن الأمر أكثر من مجرد ديبلوماسية رمزية، والعمل على إصلاح السلطة الفلسطينية الذي طال انتظاره. ومع ذلك، تظل مثل هذه التطلعات عُرضة للتعنت الاسرائيلي أو الأميركي من جانب دونالد ترامب بصورة محتملة.
المطامع الاسرائيلية
وبالتوازي، انتقل المجتمع الاسرائيلي من الصدمة الشديدة إلى التفوق العسكري في غضون عام واحد فقط. وقد عزز ذلك الاعتقاد بأن إسرائيل لا تستطيع الاعتماد إلا على قوتها العسكرية وأن التوسع في غزة والضفة الغربية المحتلة والآن جنوب سوريا ليس مبرراً فحسب، بل ومطلوب أيضاً. والواقع أن الدعم غير المشروط الذي تحصل عليه إسرائيل من الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية سمح لها بتجاهل ضرورة السلام العادل الذي من شأنه أن يوفر الأمن للجميع.
ولكن هذه العقلية الأمنية وحدها تحمل عواقب وخيمة. فهي مكلفة، وتزيد من الاعتماد على الولايات المتحدة، وتنفّر الشركاء الحاليين والمحتملين في الجوار، والذين يخشون أن تعمل إسرائيل على توسيع رقعة الحرب من خلال ضرب القيادة الايرانية والمنشآت النووية. والواقع أن إسرائيل خسرت سمعتها نتيجة لحرب غزة الهائلة، كما تلوح المسؤوليات القانونية في الأفق أيضاً. ويبدو أن سلطة بنيامين نتنياهو وأتباعه المتطرفين أصبحت مضمونة في الوقت الذي تتزايد فيه الانقسامات الداخلية حول طبيعة الوجود الاسرائيلي.
ديناميكية معاكسة في لبنان
أما في لبنان، فيجزم التحليل بأن “العمل على ديناميكية معاكسة يجري على قدم وساق. ويواجه العديد من اللبنانيين الذين يشعرون بوجود فرصة قوتين متعارضتين: فهم يدركون أنهم لن يحصلوا على المزيد من الفرص لإصلاح دولتهم، ولكنهم يعون أيضاً الخطر المتمثل في أي استفزاز كفيل بإشعال فتيل الحرب الأهلية.
أما في سوريا، فيستمتع السوريون قبل كل شيء، بتذوق طعم الحرية لأول مرة بعد عقود من القمع. وأظهرت الادارة الاسلامية الجديدة في دمشق ضبط النفس وبعض الحكمة. ولكن تأمين السلام سيتطلب إنجازات هائلة من الشجاعة والتفاني في الحكم الشامل على الرغم من المفسدين الداخليين والخارجيين.
ويمكن للسوريين على أقل تقدير، أن يستمتعوا بقدرتهم على كشف عيوب السياسة الواقعية. ومن عجيب المفارقات أن الدول الغربية كانت تريد رحيل نظام الأسد ولكن السوريين كانوا منقسمين. واعتباراً من أوائل ديسمبر/كانون الأول كان العديد من الدول العربية والغربية يريد بقاء الاسد ولكن السوريين كانوا متحدين الى حد كبير لفرض التغيير الداخلي. وسيحتاجون الآن الى حسن النية الأجنبية. كما أن الاعتدال التركي والديبلوماسية الأميركية سوف يكونان حاسمين للوصول الى المصالحة العربية الكردية. ويمكن للوساطة الروسية أن تساعد في طمأنة المجتمع العلوي. كما يمكن للدول العربية المساعدة في تحييد النفوذ الايراني.
ولا شك في أن إيران تكبدت خسارة كبيرة بحيث استغلت تركيا هذا الوضع وتفوقت على طهران في سوريا، الساحة الجيوسياسية المركزية في المنطقة. وقد يجد العديد من العواصم الغربية الراحة في حقيقة أن هذه التحولات التاريخية لا تزال حتى الآن تحت السيطرة بصورة مدهشة. فلم تحدث أزمة هجرة ضخمة ولا حرب مطولة بين الدول ولا هجوم إرهابي كبير خارج المنطقة ولا تأثير مستدام على أسعار النفط ولا تعطيل للتجارة العالمية”. ومن يدري أي مفاجآت جديدة قد تحملها الأيام الأخيرة من هذا العام بعد؟


