شهدت مدن حمص واللاذقية وطرطوس يوم الأربعاء الماضي مظاهرات غاضبة احتجاجاً على الأضرار التي لحقت بمقام الشيخ الخصيبي، أحد أهم المرجعيات الدينية للطائفة العلوية. جاء ذلك بعد انتشار مقطع فيديو قديم يوثق الأضرار التي تعرض لها المقام خلال العمليات العسكرية في محافظة حلب، ما أدى إلى تأجيج مشاعر الغضب ودفع المئات للخروج إلى الشوارع.
طالب المتظاهرون بمحاسبة المسؤولين عن الحادثة وإطلاق سراح المحتجزين العسكريين من أبناء الطائفة المحتجزين في سجني عدرا وحماة. وعلى الرغم من أن الأضرار التي لحقت بالمقام قد تم إصلاحها وتسلمت الادارة مسؤولية الإشراف عليه مجدداً، إلا أن الفيديو المنتشر ألهب مشاعر الغضب مجدداً.
ملابسات الحادثة حرق وتضرر المقام
تجدر الاشارة إلى أن الأضرار التي لحقت بالمقام حدثت قبل نحو 20 يوماً من اندلاع المظاهرات، وذلك أثناء العمليات العسكرية في محافظة حلب. شرارة الاحتجاجات اندلعت بعد انتشار فيديو قديم يوثق الأضرار، ما أدى إلى تأجيج مشاعر الغضب بين أبناء الطائفة.
وفي تصريح لخادم المقام، أكد أنه تمت معالجة الأضرار قبل أيام، وتسلمت الادارة مجدداً مسؤولية الاشراف عليه. كما استنكر الشعارات الطائفية التي رُفعت خلال المظاهرات، مثل شعار “لبيك يا خصيبي”، محذراً من أن هذه الشعارات قد تشعل فتيل الفتنة وتزيد من حدة التوتر الطائفي.
وكان المقام قد تضرر أثناء العمليات العسكرية في حلب، إذ اندلعت اشتباكات بالقرب منه، ما أدى إلى تضرر جزئي وحالة احتراق محدودة. وأوضح مصدر عسكري أن القيادة العسكرية ضبطت أي تصرفات فردية ومنعت أي أفراد غير منضبطين من الوصول إلى المقام، بل وضعته تحت عهدتها لعدة أيام قبل تسليمه مجدداً إلى خادم المقام.
وأكد المصدر أنه لم تكن هناك أي نية لإحراق المقام أو هدمه، وأن القوات العسكرية التزمت بقرارات الادارة العامة عدم المساس بالممتلكات العامة أو الخاصة، مشدداً على أن مسؤوليتهم الأساسية كانت حماية الموقع وتسليمه إلى المسؤولين عنه.
مقام الشيخ الخصيبي في حلب
يقع مقام الشيخ أبي عبد الله حسين بن حمدان الخصيبي، المعروف أيضاً بمقام “الشيخ يبرق”، بالقرب من ثكنة هنانو العسكرية على أطراف المدينة القديمة في حلب. وعلى الرغم من مكانته الدينية الكبيرة، لم يكن المقام يحظى باهتمام كبير قبل اندلاع الثورة السورية في العام 2011، ولم يكن يشهد زيارات منتظمة من أبناء الطائفة.
يُعد الشيخ الخصيبي المرجعية الأولى للطائفة العلوية ومؤسس منهجها الفكري والديني، وعاش في القرن الثالث الهجري خلال فترة الخلافة العباسية. وُلد في بلدة جنبلاء بالعراق، وأنشأ مركزاً دعوياً في بغداد قبل أن يتم اعتقاله في عهد الخليفة المستكفي. أُطلق سراحه بعد دخول البويهيين إلى بغداد، فانتقل إلى حلب تحت حماية سيف الدولة الحمداني، حيث أسس مركزاً لتخريج المبلغين والدعاة.
مساعٍ إيرانية وبقايا فلول النظام
تأتي التظاهرات الأخيرة في الساحل السوري بعد ساعات من تصريح وزير الخارجية الايراني، ما يثير شكوكاً حول وجود تحركات إيرانية لتأجيج الوضع في البلاد. هذه التحركات تتزامن مع حالة من التجييش التي شهدتها السوشيال ميديا، بحيث قام المقربون من “حزب الله” والحشد الشعبي العراقي بتداول مقاطع فيديو قديمة لأحداث طائفية. هذه الحملات تثير تساؤلات حول نية إيران في استغلال أي حالة من التوتر في سوريا لقيادتها نحو حرب طائفية مشابهة لما حدث بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق، وهي الحرب التي أودت بحياة نحو 30 ألف شخص.
وقبل أيام، وجه المرشد الايراني علي خامنئي، رسالة إلى الشباب السوري، دعاهم فيها الى الخروج والرفض لانتصار الثورة السورية، ما يعكس رغبة إيران في إحداث تحولات داخلية في سوريا. في اليوم السابق للاحتجاجات، صرح وزير الخارجية الايراني قائلاً: “من يعتقدون بتحقيق انتصارات في سوريا عليهم التمهل في الحكم، فالتطورات المستقبلية كثيرة”. ورد وزير الخارجية السوري بسرعة، محذراً من تدخل إيران في الشأن السوري، قائلاً: “يجب على إيران احترام إرادة الشعب وسيادة البلاد، ونحذرهم من بث الفوضى في سوريا. ومن يحاول العبث معنا سيندم.”
وعلى الرغم من أن المجتمع العلوي في سوريا ليس مجتمعاً متديناً ولا يشبه المجتمع الشيعي في طائفيته، فهو ليس على استعداد للقتال من أجل المقامات أو الانزلاق إلى صراعات مذهبية على هذه الأسس. إلا أن ما حدث من تجييش وتحريض لا يمكن أن يكون بريئاً. إذ تشير شهادات بعض سكان اللاذقية إلى وجود استغلال للوتر الطائفي بهدف إثارة التوتر بين الطوائف في المنطقة.
تزداد هذه المخاوف في ظل وجود أطراف خارجية تعمل على زعزعة الاستقرار الداخلي في سوريا، مثل إيران التي لا تزال تسعى الى تعزيز نفوذها عبر وكلائها. كما أن هناك مجموعات عسكرية من الفرقة 25 متمركزة في قرى وجبال طرطوس، بالإضافة إلى بقايا قوة حافظ ومنذر الأسد التي تختبئ في مناطق جبال اللاذقية. هذه الأطراف قد تُستغل لتنفيذ أعمال تزيد من الاحتقان الشعبي في سوريا وتؤجج الغضب الطائفي.
الحاجة إلى حوار وطني حقيقي
يقول آرام الدوماني، أمين سر التحالف السوري الوطني، إن هناك حاجة إلى حوار وطني حقيقي تسبقه حوارات داخلية في المجتمعات المحلية، بحيث يتم حل المشكلات تدريجياً قبل الانتقال إلى حوار أوسع على مستوى سوريا. وأكد الدوماني ضرورة ضبط الأمور بصورة عاجلة، داعياً الادارة العامة إلى تحمل مسؤوليتها في فرض الأمن وإعادة هيكلة قوى الأمن والجيش.
واقترح الدوماني الاستعانة بدول صديقة مثل قطر وتركيا والسعودية لإيفاد قوى تساعد في ضبط الأمن، مع ضرورة إعادة تفعيل شرطة السير ممن يشهد لهم بحسن السير والسلوك ولم تسجل بحقهم أي عقوبات. كما حذر من المشاريع الخارجية التي تهدف إلى زعزعة الاستقرار، مشيراً إلى أن إيران و”حزب الله” لن يقبلا بسهولة قطع طرق الإمداد الخاصة بهما، وسيلجآن إلى التجييش واستغلال الحالات الطائفية.
وأكد الدوماني أن بعض المحسوبين على إيران و”حزب الله” قد استغل حادثة المقام عبر وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بصورة طائفية، ما أدى إلى زيادة الاحتقان. وأشار إلى ضرورة الوعي بما يجري والتكاتف الوطني للحفاظ على انتصار السوريين، مع التشديد على مسؤولية الدول العربية في احتضان سوريا ومساعدتها.


