“الجيش اللبناني يقوم بمهامه وسيستمر بذلك لتطبيق القرار 1701 بالتعاون مع اليونيفيل، والمطلوب أن تلتزم إسرائيل بتفاهم وقف إطلاق النار، وهذه هي مهمة اللجنة المكلفة مراقبة وقف إطلاق النار”. هذا ما شدد عليه قائد الجيش العماد جوزيف عون خلال مرافقته رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي في جولة قاما بها في القطاع الشرقي للجنوب يوم الاثنين الماضي. وقال ميقاتي بدوره إن “الجيش اللبناني سيقوم بمهامّه كاملة في جنوب لبنان، بعد انسحاب إسرائيل من الأراضي التي توغلت فيها”، مؤكداً أن “الجيش لم يتقاعس يوماً عن مهامّه، ونحن أمام امتحان صعب، وسيثبت الجيش أنه قادر على القيام بكل المهامّ المطلوبة منه، وأنا على ثقة كاملة بهذا الأمر”.
تأتي هذه المواقف في الوقت الذي يواصل الجيش اللبناني تعزيز انتشاره في جنوب لبنان، في إطار تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، الذي دخل حيز التنفيذ في 27 الشهر الماضي، بعد مواجهة مفتوحة استمرت أكثر من شهرين بين “حزب الله” وإسرائيل خلفت نحو أربعة آلاف قتيل في لبنان وتسببت بدمار واسع في مناطق تعد معاقل للحزب. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاتفاق المذكور (الذي ينص في أحد بنوده على تجريد المجموعات المسلحة من سلاحها) قد حظي بموافقة “حزب الله” العلنية والصريحة، ما يحتم عليه التسليم والإقرار بالدور الذي أنيط بالجيش اللبناني للقيام بالمهام المطلوبة منه لتنفيذ الإتفاق بالتنسيق والتكامل مع “اليونيفيل” تحت إشراف “اللجنة الخماسية” ومراقبتها.
لكن اللافت في الأمر الحملة “المبطنة” التي يتعرض لها العماد عون، ظاهرها يتعلق بإرتفاع أسهمه الرئاسية، وباطنها تكبيل دور الجيش المتعلق بتنفيذ القرار وعرقلته، سواء ما جاء في نصه، أو ما كتب “بالحبر السري”، والذي بقي محفوظاً في خزائن “كتمان” الرئيس نبيه بري، لاعتبارات تتعلق (كما سُرّب) بعدم إظهار “حزب الله” في موقع الرضوخ للشروط الأميركية.
وتزامنت تلك الحملة على عون مع عودة تصريحات لقيادات الحزب، التي لا تزال تؤكد تمسكه بهذا السلاح. وآخر هذه المواقف جاءت على لسان نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي، الذي صرح قائلاً: “إذا كنا شركاء حقيقيين في الوطن، فعلينا أن نبني استراتيجية دفاعية تدافع عن هذا الوطن، فالجيش وحده لا يستطيع أن يواجه العدو”. وجاء كلام قماطي، بعدما كان كلام الأمين العام لـ “حزب الله” نعيم قاسم في آخر إطلالة له، عن حصر تنفيذ الاتفاق بمنطقة جنوب الليطاني، قد أثار تساؤلات حول إصراره على الاحتفاظ بترسانته وبنيته العسكرية في الداخل اللبناني، لا سيما أن الاتفاق ينص على تطبيق القرارات الدولية 1559 و1680 و1701، أي ما يعد تفكيكاً للمنظومة العسكرية على جميع الأراضي اللبنانية.
لا تخفي مصادر مقربة من “حزب الله” وجود تباين بين الحزب والجيش، بحيث تعتبر أن “الخلافات” غير الظاهرة بينه وبين قيادة الجيش سببها إستياء الحزب بعد تركه الجنوب والحدود المتاخمة للأراضي الفلسطينية المحتلة لأن الجيش اللبناني لم يستطع وقف الخروق بسبب الحالة الضعيفة التي هو عليها. كذلك يبدي المتابعون تخوفهم وقلقهم من أن يكون الحزب لا يزال يسيء التقدير والحسابات، كأنه لم يسلّم بعد بالمعادلات الجديدة في الداخل والاقليم، ما يدفع الى الخشية من أن يقدم ذريعة مجانية لـ “جنون” رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو لمعاودة الحرب، تحت ذريعة أن ملحق الضمانات السرية بين واشنطن واسرائيل يتيح للأخيرة مواجهة ما تعتبره تهديداً لها.
وفي هذا المجال كشف أحد الوزراء (رفض الكشف عن إسمه) أن “حزب الله” يحاول الالتفاف على تنفيذ إتفاق وقف اطلاق النار من خلال “الاجتهاد” في تفسير بنوده، ما يعكس محاولاته للتهرب من استحقاقات تنفيذ الاتفاق الذي ينص على تفكيك بنيته العسكرية ابتداء من جنوب نهر الليطاني، في حين لا يزال يروج لاستمرار ثلاثية “الشعب، الجيش، المقاومة” لتبرير وجود سلاحه شمال الليطاني. ولفت الوزير نفسه إلى أن الحزب بالتوازي يعتمد المناورة السياسية في ملف رئاسة الجمهورية، عبر محاولاته منع وصول رئيس يتمتع بالمواصفات التي تقتضيها المرحلة ويتمتع بالمصداقية والثقة المحلية والخارجية، سعياً منه للتوصل الى تسوية تفضي الى رئيس “مساوم”، يتغاضى عن سلاحه، ويعيد إحياء ثلاثيته، اضافة الى وضع استراتيجية دفاعية “تشرعن” احتفاظه بسلاحه.
يتضح من هذه المواقف لـ “حزب الله”، وتعاطيه “الحذر” مع قائد الجيش (كتلطيف لعدم ثقته به) أسباب الحملة “المبطنة” عليه، في حين أن العماد عون ينفذ ما هو مطلوب تنفيذه من الجيش اللبناني بموجب إتفاق وقف اطلاق النار، الذي هو إتفاق حظي بموافقة السلطة السياسية، التي كلفت الجيش تنفيذ البنود الخاصة به، من دون أن يكون لقائد الجيش أي دور في إبرام الاتفاق المذكور، وأن صلاحياته وواجباته تقتصر على الجانب التنفيذي.


