عام بعشرة أعوام عاشه اللبنانيون بشهادة الكثيرين، وتحديداً مَن عاش العدوان الاسرائيلي الذي افترس الجنوب لأكثر من عام، مروراً بالعاصمة، وصولاً إلى الشمال والبقاع، والحدود السورية، حتى أن البعض أسماه عام “فقدان الأحبة” نسبة الى الذين قضوا في الحرب، فسنة 2024 كانت منكّهة بنفس سنة 2019 التي حملت الكثير من الشؤم والخراب اللذين ما زلنا نعيش تبعاتهما حتى يومنا هذا.
فكيف قضى الجنوبيون سنتهم التي بدأت بالحرب وانتهت بـ”هدنة” مشينة؟
في الثامن من تشرين الأول 2023، امتدت نار “طوفان الأقصى” إلى الجبهة الجنوبية في لبنان مع إعلان “حزب الله” عدم الوقوف على الحياد، كما صرّح يومها رئيس المجلس التنفيذي في الحزب هاشم صفي الدين: “نحن بالموقع الذي يجب أن نكون فيه”.
وفي نصف عام، كرّس “حزب الله” لأول مرة في تاريخ الصراع العربي – الاسرائيلي مفهوم “جبهة الاسناد” لجبهة رئيسية في قطاع غزة.
وطوال الحرب، بقي دور الحزب وموقعه من نظرية “وحدة الساحات” موضع سجال، مقابل تكريسه واقعاً جديداً للحرب بكسر قواعد الاشتباك من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وتهجير أكثر من 100 ألف مستوطن لأول مرة من الشمال، وإقران إسرائيل عودتهم بإزاحة “قوة الرضوان” من جنوب الليطاني.
وفي 23 أيلول 2024، شهدت الجبهة الجنوبية أعنف موجة قصف عدواني إسرائيلي منذ بداية “الطوفان”، أدت إلى سقوط مئات القتلى والجرحى خلال ساعات، بالاضافة إلى حركة نزوح غير مسبوقة، وكانت هذه الموجة من النزوح الأكبر، إذ شملت مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة الأمامية على طول الشريط الحدودي الذي نزح عنه المواطنون بعد السابع من تشرين الأول 2023، وهي قرى وبلدات في الخطوط الثانية أو الخلفية للمواجهة، ومنها أقضية بنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا، والنبطية وصور والزهراني، وصولاً إلى البلدات المحيطة بمدينة صيدا التي تعتبر بوابة العبور إلى الجنوب.
في المقابل، فعّلت الحكومة خطة الطوارئ التي أعدتها لمواجهة أي تصعيد عسكري محتمل أو اندلاع حرب، وبدأت باستيعاب التداعيات السلبية من خلال فتح مراكز إيواء ومدارس، بعد نجاح القطاع الصحي في احتواء تداعيات تفجيرات أجهزة الاتصالات “البايجر” واللاسلكي، بحسب التقارير التي نشرتها وزارة الصحّة، آنذاك.
فهل اقتصرت تداعيات الحرب عند هذا الحدّ؟
دفع الجنوبيون ثمن فاتورة الحرب من “جيبة” أرزاقهم التي تركوها خلفهم قبل النزوح، أو التي تضررت خلال الحرب، وأعلن وزير الاقتصاد أمين سلام أن الخسائر التي مني بها لبنان جراء العدوان الاسرائيلي لا تعد ولا تحصى، مشيراً إلى أن الخسائر المباشرة هي الدمار الكبير الحاصل في الجنوب والبقاع وأجزاء من بيروت.
وأشارت التقديرات الأولية الصادرة عن وزير الزراعة عباس الحاج حسن، إلى أن الخسائر الزراعية في لبنان بلغت نحو ثلاثة مليارات دولار، إلا أن المسح الأولي الذي أجرته وزارة الزراعة واعتمدته فيما بعد أظهر أن الخسائر الزراعية تبلغ نحو 1.5 مليار دولار، ويوازي هذا الرقم 8.3% من الناتج المحلّي، وهي خسارة ضخمة.
وأكد الحاج حسن أن خسائر القطاع الزراعي لا يمكن تحديدها حالياً بدقة، ولكن ما لا يقل عن عشرات الآلاف من المزارعين اضطروا إلى ترك مزارعهم وقراهم بحثاً عن الأمان، وهو ما أثر بصورة مباشرة في الإنتاج الزراعي المحلي، النباتي والحيواني، وأيضاً في المواسم الزراعية القادمة.
وفي المقابل، صرّح نائب رئيس الاتحاد العمالي العام، ورئيس اتحاد نقابات مزارعي التبغ والتنباك في لبنان، ورئيس جمعية التنمية الاجتماعية والثقافية في جنوب لبنان، حسن فقيه، بأن “رقم المليار ونصف المليار دولار الذي تتبناه وزارة الزراعة اللبنانية لناحية خسائر هذا القطاع جراء الحرب، هو رقم متواضع مقارنةً بحجم الخسائر الفعلية”. وقدّر الخسائر بحدود أربعة أو خمسة مليارات دولار حتى الآن.
وشرح فقيه أن الخسائر الأكبر كانت في قطاع زراعة الحمضيات والزيتون التي تنتج بصورة كبيرة جداً في منطقة الوزاني وسردا وسهل الخيام، لافتاً الى أنّ مزروعات هذه المنطقة معروفة بجودتها ويتم تصدير الكثير منها إلى منطقة الخليج وغيرها.
وعن البساتين التي تحتوي على مزروعات صيفية وتمتد من الساحل الجنوبي وتصل إلى تخوم الناقورة وحانين وعيتا الشعب، لم يتمكن المزارعون من قطف هذه المحاصيل هذا العام جراء الحرب، كما أنهم لم يستطيعوا نقل هذا النوع من الزراعات التي تعتمد على الأشجار مثل العنب والجوز والأفوكادو والحمضيات وغيرها إلى مناطق النزوح. ووفق التقارير، خلال 11 شهراً هناك دورة زراعية كاملة لم تدخل في طور الإنتاج.
وتختلف تقديرات المعنيين لكلفة الأضرار المباشرة والاجمالية، ففيما أكّدت مصادر اقتصادية أن الخسائر الكلية التي مُني بها الاقتصاد اللبناني قاربت الملياري دولار، أشار المدير العام لوزارة الاقتصاد محمد أبو حيدر إلى أن مجمل الخسائر فاق الـ1.5 مليار دولار، لافتاً إلى أن 300 مليون دولار هو حجم الخسائر من جراء إقفال المؤسسات في الجنوب، واخراج 30 في المئة من المصانع عن العمل.
كيف بدا المشهد على الصعيد الأمني؟
يواصل الجيش الاسرائيلي استغلال مهلة الـ60 يوماً المحددة في اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان، ويتوغل في عدد من القرى الحدودية ويواصل تدمير المنازل وتفجيرها، كما يفرض على الأهالي حظر العودة إلى قراهم التي طالها القصف.
وفي تطور جديد، كشفت “هآرتس” أن الجيش الاسرائيلي يخطط للبقاء في جنوب لبنان بعد انقضاء فترة الـ60 يوماً التي دخلت حيز التنفيذ في 27 تشرين الثاني الماضي. وأوضحت أن الجيش يعتزم الاستمرار في الوجود بالمنطقة الجنوبية حتى بعد مرور شهرين من الاتفاق في 27 كانون الثاني المقبل، في حال لم يتمكن الجيش اللبناني من الوفاء بالتزاماته في فرض السيطرة الكاملة على المنطقة الجنوبية.
كما يواصل الجيش الاسرائيلي خروقه العسكرية السافرة في وضح النهار وفي أي توقيت يجده مناسباً لـ “أهدافه” ليؤكد يوماً بعد يوم أن اتفاقية الهدنة تطبّق من طرف واحد فقط.
أمّا الخروق فلم تقتصر على استهدافات تقوم بها المسيّرات أو المدفعية الاسرائيلية، بل جاءت على أشكال ليست جديدة على الجيش الذي لا يقيم وزناً لأي شرعة أو اتفاق، فعلى مدى حوالي ثلاثة أسابيع، تقوم جرّافاته بإزالة البيوت وتفجيرها على مرأى من العالم وبصورة مستفزة.
60 يوماً هي المهلة التي أعطاها الاسرائيلي لنفسه لينسحب على مضض من جنوب لبنان بعدما تمركز في عدد من القرى الحدودية حارماً أبناءها من العودة إليها. وعلى عدد أيام الهدنة، القرى الممنوع الدخول إليها، ففي كلّ يوم يذكّر العدو في بياناته التي ينشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، بأنه ممنوع زيارة تلك البلدات التي يبلغ عددها حوالي 62 بلدة، مثل مزارع شبعا وكفرشوبا، وهي مناطق تقع بالقرب من الحدود اللبنانية مع مرتفعات الجولان السورية، والقرى القريبة من الحدود، مثل مليتا، الطيبة، حولا والعديسة، بالاضافة إلى القرى التي يعتقد الجيش الاسرائيلي أن “حزب الله” موجود فيها بصورة كبيرة، مثل بعض القرى في قضاءي مرجعيون وصور، فحلم العودة لم يتحقق للكثير من الجنوبيين الذين ما زالوا يعيشون كابوس النزوح حتى اليوم.


