ديبلوماسيون أميركيون: هكذا سيُنهي ترامب هزّات الشرق الأوسط!

جورج حايك

تتجه الأنظار إلى العاصمة الأميركية واشنطن وتحديداً إلى يوم الاثنين 20 كانون الثاني 2025، حين سيتسلّم الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب مقاليد الرئاسة الأميركية من سلفه جو بايدن الذي تخللت ولايته زلازل عسكرية وجيوسياسية في الشرق الأوسط، ومن بينها لبنان. ولا شك في أن التداعيات مستمرة في غزة ولبنان وسوريا، ومرشّحة لأن تمتد إلى اليمن وايران، لذا تُطرح علامات استفهام عديدة حول الاستراتيجية التي سيعتمدها ترامب في التعامل مع الشرق الأوسط الملتهب.

أمام هذا الواقع، تتقاطع المعلومات من لقاءات يجريها بعض النافذين في اللوبي اللبناني في الولايات المتحدة مع بعض الديبلوماسيين الأميركيين الذي سيعمل تحت إدارة ترامب في المرحلة المقبلة.

يؤكد هؤلاء الديبلوماسيون أن مفاعيل الزلزال الذي أحدثه غزو “حماس” لغلاف غزة وحرّك الصراعات المتشابكة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، لن تستمر حتى نهاية 2025، إلا أن النصف الأول منها سيشهد استمرار الكوارث في غزة وجنون الحوثيين في اليمن الذين سيستمرون في إطلاق الصواريخ والمسيّرات نحو إسرائيل. ولا شيء يضمن أن تنتهي الهدنة بين اسرائيل و”حزب الله” في 27 كانون الثاني المقبل، ليعود مشهد القتال بينهما.

لكن الديبلوماسيين يعتبرون أن أسلوب ترامب غير التقليدي قد يضع الأمور على سكّة الحل، انطلاقاً من التركيز على التوصلّ إلى حل لحرب غزة التي تبقي على جميع الجبهات الأخرى مشتعلة، وما سيُساعد في هذا الأمر، هو تمتع ترامب بنفوذ هائل على المسؤول الوحيد القادر على إنهاء هذه الحرب: رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو!

والمفارقة أن ما رفضه نتنياهو مع بايدن من حلّ يقضي بإنسحاب اسرائيل من غزة مقابل إفراج “حماس” عن كل الرهائن، سيقبل به، ولو بعد وقت، مع ترامب، علماً أن هذا الحل يحظى بتأييد 70 في المئة من الاسرائيليين، وربما يحتاج نتنياهو إلى بعض المكاسب الاضافية ليقبل بعروض ترامب مثل عملية اغتيال جديدة لأحد زعماء “حماس” الفاعلين، ويتبع ذلك قبوله بالحل في غزة ثم بدء مفاوضات التطبيع بين اسرائيل والسعودية.

لكن هذا لا يعني أن الأزمات ستنتهي في الشرق الأوسط، وفق الديبلوماسيين الأميركيين، لأن 2025 ستكون سنة الحسم بالنسبة إلى البرنامج النووي الايراني، ولن يكون مستبعداً أن يعطي ترامب الضوء الأخضر لاسرائيل لقصف إيران وإنهاء المسألة النووية.

ولا ينكر الديبلوماسيون أن ترامب جديّ “بالتخلص من الحروب” بسرعة، حتى قبل توليه منصبه، لإعادة توجيه الولايات المتحدة نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ولكن في الممارسة العملية، قد يكون الانسحاب من الشرق الأوسط أكثر صعوبة مما يتوقعه ترامب، والأزمة الداهمة بقوة هي اليمن وتصاعد التوتر بين اسرائيل والحوثيين، وقد تعهّد نتنياهو مؤخراً بأن “الحوثيين سوف يتعلّمون أيضاً ما تعلّمته حماس والحزب ونظام الأسد وغيره”.

ويعتبر الديبلوماسيون أن مثل هذا الخطاب العدواني سوف يتحول بسرعة إلى واقع عسكري. فخلال الحرب الأهلية اليمنيّة، صمد الحوثيون في وجه حملة جوية استمرت لسنوات بقيادة السعودية. واليمن يبعد أكثر من 1300 ميل عن إسرائيل، ما يجعل الحملة الجوية المستمرة أكثر تعقيداً من الناحية اللوجيستية بالنسبة الى إسرائيل مقارنة بغزة أو لبنان المجاورين. والأمر الأكثر أهمية هو أن إسرائيل تعتبر “الحزب” عدوّها الأساسي منذ العام 2006 على الأقل، وقضت أكثر من عقد من الزمن في الاستعداد لمحاربته. وقد أثمر هذا الاستعداد انتصاراً ملحوظاً فيما لم تنظر إسرائيل إلى الحوثيين باعتبارهم تهديداً وشيكاً حتى وقت قريب، وليس متوقعاً أن يكون لديها ما يكفي من معلومات استخباراتية للتعامل بقوة معهم كما حصل مع “الحزب”. وهذا يعني أن اسرائيل ستكون، إذا تصاعدت الحرب مع اليمن، بحاجة إلى دعم الولايات المتحدة التي تعرف واقع الحوثيين أكثر، وهذا ما قد يدفع ترامب إلى التورّط مع اسرائيل في هذه الحرب.

لكن هذا لا يعني أن اسرائيل لن تحاول تحقيق ضربات خاطفة وقوية للحوثيين. وقد ركّزت حتى الآن على الموانئ التي يسيطرون عليها في الحديدة والصليف ورأس قنتيب، إضافة إلى مطار صنعاء الدولي، وكل هذا في محاولة لقطع إمدادات الأسلحة الايرانية إلى الحوثيين، كما تعهدت باستهداف قيادة الحوثيين، وهي الخطوة التي تجنبتها إسرائيل والولايات المتحدة حتى الآن. وإذا نجحت هذه الجهود، فقد يتم تقليص القدرات العسكرية الحوثية في نهاية المطاف، وإن لم يتم القضاء عليها بالكامل. ولكن في الأمد القريب، يدرك بعض الديبلوماسيين الأميركيين أن إسرائيل سوف تحتاج إلى مساعدة الولايات المتحدة في مواجهة الصواريخ والطائرات من دون طيار الحوثية، وسوف يحتاج الشحن الدولي إلى الاعتماد على التحالف البحري الذي تقوده الولايات المتحدة من أجل المرور الآمن عبر البحر الأحمر.

على صعيد آخر، يؤكد الديبلوماسيون أن الساحة السورية لن تكون عامل اطمئنان لترامب، فهي غير مستقرة مع احتمال تجدد التوتر الطائفي، وخصوصاً بين الأقلية العلوية والأغلبية السنية من جهة، والفصائل السورية المدعومة من تركيا والأكراد من جهة أخرى. وهناك إمكان لبروز “داعش” مجدداً وسط هذه الفوضى.

كل هذه التحديات تواجه الادارة الأميركية القادمة. ورغبة ترامب في الخروج من الشرق الأوسط، قد لا تكون منسجمة مع الواقع، ويُمكن التأمّل قليلاً بالمشهد السياسي والعسكري ليُدرك القاصي والداني أن إدارة ترامب لا يُمكنها ترك الحوثيين من دون معالجة وهم يهددون بشن هجمات مستمرة في أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم، وهطول الصواريخ على تل أبيب، واحتمال انتشار العنف وصولاً إلى السعودية. كما أن تجاهل مشكلة إيران، يهدد بالسماح لدول بالتمرّد على واشنطن وسط هتافات “الموت لأميركا”!

شارك المقال