لم تكن زيارة الموفد الأميركي آموس هوكشتاين إلى لبنان أمس، ديبلوماسية، ناعمة، لتقييم الأوضاع وتمني إنتخاب رئيس للجمهورية في 9 كانون الثاني الجاري، بل جاءت كحالة طارئة نتيجة الخطر الذي استشعرته الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها من ترنّح اتفاق وقف إطلاق النار وسط تهديدات اسرائيل من جهة و”حزب الله” من جهة أخرى، والتي تصبّ في خانة استكمال الحرب.
هذه الأجواء خيّمت على زيارة هوكشتاين المستعجلة، حاملاً معه بطاقة حمراء لـ”الحزب” والمسؤولين اللبنانيين الذين أظهروا عدم جديّة في جمع سلاح “الحزب” من جنوب الليطاني وشماله.
وتعتبر مصادر مطّلعة أن هوكشتاين حذّر المسؤولين اللبنانيين من استعادة تجربة ما بعد حرب تموز 2006، ومحاولات “الحزب” إفراغ القرار 1701 من محتواه، ودوامة كسل السلطة التنفيذية في تنفيذ الاتفاق بعدما وافقت عليه حكومة تصريف الأعمال و”الحزب”.
ويبرر بعض المسؤولين بطء تحرّك الجيش بعدم انسحاب اسرائيل، كما هو متفق عليه، في قرار وقف إطلاق النار، لكن هوكشتاين ذكّر المسؤولين اللبنانيين بأنهم وافقوا على جدول زمني ينزعون فيه سلاح “الحزب” بعد وقف إطلاق النار، وهذا ما لم يحصل في الواقع!
ويُدرك هوكشتاين وجود تماهٍ بين “الحزب” والحكومة التي يسيطر على قرارها، وقد حذّر أمس في لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين من اللعب بالنار، لأن ما يسموّنه خروقاً اسرائيلية للقرار 1701 من خلال ضرب شحنات إعادة تسليح “الحزب” ليس سوى ترجمة للاتفاق الذي وافق عليه لبنان. كما نصّ على أن الجيش الاسرائيلي سوف يسيطر على ما يصل إلى خمسة أميال من الأراضي اللبنانية طالما لا يزال “الحزب” محافظاً على قدرته على إعادة تنظيم نفسه.
واللافت أن التقارير التي تصل إلى لجنة الإشراف الدولية بعد أسابيع عدة من اتفاق وقف اطلاق النار، تؤكّد أن الجيش اللبناني لم يفكّك عدداً كبيراً من مستودعات السلاح لـ”الحزب”، وهذا ما واجه به هوكشتاين المسؤولين اللبنانيين.
ولم يحتج هوكشتاين إلى كثير من البراهين ليبثت للمسؤولين اللبنانيين أن أداءهم فاشل، فـ”الحزب” على لسان أمينه العام نعيم قاسم أكّد أكثر من مرة أنه أعاد تنظيم نفسه، وأصرّ على أن سلاحه في شمال الليطاني غير مُدرج في الاتفاق، والأكثر فداحة هو ما صرّحت به ايران بأن المقاومة مستمرة في لبنان واليمن، وكل ذلك، يسمح لاسرائيل بمواصلة قصفها لقواعد “الحزب” وتحركاته، ويؤخّر انسحابها، بل ان هوكشتاين كان أكثر صراحة في تحذيره المسؤولين من أن الحرب قد تُستأنف إذا فشل لبنان في نزع سلاح “الحزب” كما هو متفق عليه في اتفاق وقف إطلاق النار. ولعل خطوة انسحاب اسرائيل من الناقورة أمس ودخول الجيش اللبناني اليها وانتشاره هناك، حفظ ماء الوجه قليلاً، وربما شجّع هذا الأمر هوكشتاين لتشجيع السلطات اللبنانية على نزع سلاح “الحزب” أقلّه في جنوب الليطاني، خلال الـ 20 يوماً المتبقيّة، من دون أن تنسى أن هناك اتفاقاً بين اسرائيل والولايات المتحدة الأميركية يمنح الأولى صلاحية التحرّك عسكرياً ضد “الحزب” عندما يتجاوز الخطوط المرسومة.
وتشير المعلومات الى أن التبريرات التي سمعها هوكشتاين عن تأخّر السلطة اللبنانية في القيام بواجبها في تنفيذ الاتفاق تتركّز أولاً على عدم انسحاب اسرائيل من الجنوب كما ورد في الاتفاق، ثانياً انتظار المسؤولين اللبنانيين للانتخابات الرئاسية، حتى يتولى الرئيس المنتخب والحكومة الجديدة تنفيذ بنود الاتفاق كاملة، ثالثاً عودة “الحزب” بواسطة بعض مسؤوليه إلى ترهيب المسؤولين اللبنانيين.
في المقابل، أكّد هوكشتاين أن الجيش الاسرائيلي سيستكمل انسحابه، كما فعل أمس في الناقورة، تدريجياً، وهذا الأمر يرتبط بخطوات ملموسة تثبت تراجع “الحزب” عن جنوب الليطاني.
لا شك في أن زيارة هوكشتاين، وفق مصادر مطلعة، تطرقت إلى جلسة الانتخابات الرئاسية، وهو حمل معه كلمة السرّ التي باتت معروفة أي إسم العماد جوزيف عون، إذ تعتبره الادارة الأميركية ضمانة لتطبيق القرار 1701، ويتلاءم مع أجواء المرحلة، وخصوصاً أن هوكشتاين أبلغ عون والمعنيين أن اسرائيل “لا تمزح” في مسألة نزع سلاح “الحزب”. وما لم تفهم السلطات اللبنانية أهمية الموضوع، وتنتخب رئيساً بسرعة في الجلسة المقبلة لمعالجة كل الثغرات والبدء بجهود إعادة الإعمار، وهذا ما فهمه الرئيس نبيه بري، وعرقلته للإنتخاب ستحمّله مسؤولية كبيرة، فان حصول عكس ذلك، أي التباطؤ في تنفيذ بنود اتفاق وقف اطلاق النار وانتخاب رئيس، سيزيد احتمالات إشعال فتيل الحرب مجدداً!


