منذ إعلان الادارة العامة تسلّمها السلطة من حكومة النظام السابق، بدت ملامح السياسة الخارجية الجديدة واضحة المعالم، إذ اختارت القيادة الجديدة توجيه بوصلتها نحو العمق العربي كأولوية استراتيجية. وعلى الرغم من أن الادارة العامة لم تكن محسوبة على طرف محدد خلال السنوات الماضية، فإن مواقفها البراغماتية أثبتت قدرة على الموازنة بين العلاقات الدولية والمصالح الوطنية.
المحطة الأولى: المملكة العربية السعودية
جاء اختيار المملكة العربية السعودية كأولى المحطات الخارجية ليؤكد الأهمية الاستراتيجية للعلاقات السورية-السعودية. ترأس الوفد السوري وزير الخارجية أحمد سعد الشبياني، بمرافقة وزير الدفاع مرهف أبو قصرة ورئيس جهاز الاستخبارات أنس الخطاب، ما يعكس ثقل الزيارة ومستوى الملفات المطروحة.
الزيارة سبقتها رسائل علنية أرسلها رئيس الادارة الانتقالية أحمد الشرع عبر صحيفة “الشرق الأوسط”، عبّر فيها عن إعجابه بالرؤية التنموية السعودية ورغبته في الافادة منها. كما أكد التزام الادارة بعدم تحويل سوريا إلى ساحة لأي تدخل خارجي أو منصة لتهديد أمن الدول المجاورة.
استُقبل الوفد بحفاوة سعودية، وأسفرت الزيارة عن تفاهمات جوهرية تُرجمت في ما عُرف بـ”اللاءات الأربع”: لا حدود للمساعدات، لا سقف للطائرات الإغاثية، لا قيود على المناطق المستهدفة، ولا شروط أو تمييز. هذا التحرك السعودي كسر عملياً قيود قانون قيصر الأميركي، إذ أرسلت المملكة مساعدات محظورة بموجب العقوبات، بما في ذلك مواد محروقات، كما مارست ضغوطًا ديبلوماسية على إدارة جو بايدن لإصدار رخصة الاعفاءات من قانون العقوبات قيصر.
الجولة الاقليمية: قطر والامارات والأردن
عرف عن أحمد الشرع سياسته الندية والبراغماتية، فخلال سنوات من إدارته ملف إدلب، لم يكن يشبه نظراءه في المعارضة السورية سواء في طريقة العمل أو التبعية الأيديولوجية لأي دولة، حتى لو كانت داعماً رئيسياً له، بل على العكس، كان يعمل بطريقة مختلفة تماماً، معتمداً على الاستقلالية المالية التي حققها عبر الجباية واحتكار مواد رئيسية مثل المحروقات.
واليوم، يضع الشرع مجدداً علاقاته على أسس واضحة ومصلحية، بحيث يُدرك أن هناك حلفاء وعلاقات استراتيجية، وفي الوقت نفسه طموح يرتقي بالعمق العربي إلى مستوى العلاقات الاستراتيجية، مع إعطاء أولوية مطلقة للعالم العربي والخليجي.
في قطر، التي تبنّت موقفاً داعماً للإدارة الجديدة، اتسمت الزيارة بنقاشات موسعة حول العلاقات الثنائية والتعاون الاقتصادي، مع تأكيد متبادل على أهمية بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد.
وإذ تُعد دولة قطر من أوائل الدول التي سارعت إلى إعادة فتح سفارتها في دمشق بعد انتصار الثورة السورية، كما بادرت الى مدّ جسر جوي للمساعدات الإنسانية، شمل إمدادات طبية وغذائية عاجلة لدعم الشعب السوري في مواجهة التحديات الانسانية الصعبة.
إلى جانب المساعدات الانسانية، وضعت دولة قطر خططاً مدروسة لدعم الادارة العامة في المرحلة الانتقالية، مع تركيز خاص على إعادة تأهيل البنية التحتية، بما في ذلك قطاع الكهرباء وتفعيل المطارات لضمان استعادة الحركة الجوية الطبيعية. كما قامت قطر بدور ديبلوماسي فاعل، قاد إلى ممارسة ضغوط إيجابية على إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن لإصدار رخصة موقتة تخفف من العقوبات الاقتصادية المفروضة.
في الامارات، التي كانت لديها تساؤلات وهواجس حول مشروع الادارة العامة وخطها السياسي، جرى نقاش موسّع وشفاف بدد معظم المخاوف الاماراتية بشأن تصدير أي مشاريع سياسية خارج الحدود السورية. وأفادت مصادر مطلعة بأن الزيارة مهّدت الطريق لخطوات إيجابية مقبلة في مسار العلاقات الثنائية.
أما في الأردن، فقد طغت الملفات الأمنية على جدول المباحثات، بحيث أبدت عمان مخاوف مشروعة بشأن قضايا المخدرات والإرهاب وإمكان تدفق الأسلحة عبر الحدود المشتركة. في المقابل، أبدت الحكومة الأردنية استعدادها لدعم جهود إعادة الإعمار وصيانة شبكات الكهرباء في الجنوب السوري، كما دعا وزير الخارجية السوري الأردن الى تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري.
أظهرت هذه الجولات الاقليمية أن الادارة العامة تتبنى سياسة خارجية واقعية ومرنة تهدف إلى إعادة سوريا إلى محيطها العربي وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني مع دول المنطقة، كما عكست قدرة القيادة الجديدة على إدارة علاقات متوازنة بعيداً من الاستقطاب السياسي الحاد، مع التركيز على تحقيق الاستقرار الداخلي والانفتاح على محيطها العربي والدولي.


