يشهد لبنان أحداثاً متسارعة في ملف الرئاسة استعداداً للجلسة الانتخابية اليوم التي يبدو احتمال انتخاب رئيس فيها كبيراً بالمقارنة مع الجلسات الـ13 السابقة التي باءت بالفشل.
واللافت أن أسباباً عديدة تميّز هذه الجلسة أهمها أولاً أنها تأتي بعد حرب ضروس تخللتها مواجهات قوية بين اسرائيل و”حزب الله” خسر فيها الأخير الكثير من نقاط القوة، ثانياً توافر دعم دولي وعربي لتمرير الاستحقاق الانتخابي من دون تعطيل، وهذا ما دفع الرئيس نبيه بري إلى الدعوة لهذه الجلسة المفتوحة بدورات متتالية، لذلك من المتوقّع أن تؤدي إلى انتخاب رئيس، ما لم يعد الثنائي الحزبي الشيعي إلى المعزوفة القديمة أي الإنسحاب من الجلسة وتعطيل النصاب.
أما بالنسبة إلى المرشحين، فلا يزال إسم قائد الجيش العماد جوزيف عون في الصدارة، بل تتقاطع المعلومات حول شبه توافق في الكواليس لانتخابه رئيساً، وقد لعب الموفد الديبلوماسي الأميركي آموس هوكشتاين دوراً كبيراً في دفع النواب اللبنانيين الى إنتخاب عون سواء أكانوا في المعارضة أو الممانعة، وإستكمل الضغط مع الموفد السعودي الأمير يزيد بن محمد بن فهد آل فرحان، وخصوصاً لجهة إقناع الرئيس بري بتسهيل انتخاب عون وإتمام ما يلزم من تعديل للدستور.
لا شك في أن عون يحظى بتأييد دولي وهو موضع ثقة نظراً إلى دوره على رأس المؤسسة العسكرية في حفظ الأمن والاستقرار على الرغم من الأزمات المتراكمة التي يتخبط بها لبنان، لكن المعطيات التي أكّدتها المصادر المطلعة أن هذا الدعم الدولي لم يترافق مع دعم محلي بالمستوى نفسه لأن للقوى السياسية اللبنانية المتناقضة حساباتها وخصوصاً الثنائي الشيعي الحزبي المتوجّس من الدعم الأميركي لعون.
حتماً لو كان هذا الثنائي في وضعية أفضل، كما كان قبل الحرب، لاستمر في رفضه لعون وتمسّك بمرشّح الممانعة سليمان فرنجية، لكن ثمة أمور تغيّرت، وبراغماتية الثنائي ربما تدفعه مكرهاً إلى القبول بعون بدلاً من أي إسم آخر لم يختبره ويكون للمعارضة حصّة أكبر فيه.
وكان هوكشتاين حاسماً عندما ربط مسألة مساعدة لبنان بإنتخاب العماد عون أو أي رئيس بمواصفاته، ما ضيّق الخناق أكثر على الثنائي الشيعي المنهك من الحرب والذي يواجه غضب بيئته التي تدمّرت بيوتها وألحقت بها خسائر كبيرة. والمفارقة أن واشنطن حرصت خلال زيارة هوكشتاين على طمأنة الثنائي بأن اسرائيل ستنسحب من الأراضي اللبنانية، وبدت تطميناته مثل ضمانات مقابل الموافقة على عون.
لم يقل العماد عون يوماً إنه مرشّح للرئاسة، بل اعتبر، وفق المصادر المطلعة، أن رئاسته لن تكون إلا وفق تسوية توفّر له قيادة المرحلة بموافقة الجميع وضمن شروط تكفل نجاحه وإلّا فلن يقبل بأن يكون رئيساً لفخامة الاسم فحسب. واستلحق الموفد الفرنسي جان ايف لودريان الاستحقاق بزيارة سريعة للبنان قبل ساعات من الانتخابات، تمهّد لمرحلة ما بعد انتخاب عون وشكل الحكومة التي ليس مستحباً أن يتأخر تأليفها بسبب التطورات في المنطقة وخصوصاً متابعة تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار والقرار 1701، وسيكون على عاتق الرئيس المنتخب والحكومة في المرحلة الأولى تأمين حضور الشرعية اللبنانية ودورها الحصري الممثل في الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية.
كل هذه المعطيات ستثبتها سهولة تمرير الجلسة الانتخابية اليوم، وعدم عرقلة الثنائي لانتخاب قائد الجيش، ما سيجعله مرشّح التسوية الأميركية – السعودية من جهة والثنائي الشيعي من جهة أخرى.
وهذا يعني أن المجتمع الدولي يريد أن يكون الجيش اللبناني هو الطرف الأساسي أو هو المؤسسة الأساسية التي تسيطر على الأمن والسياسة، وهذا يؤدي في شكل من الأشكال إلى قيام قائد الجيش بدور أساسي في هذا السياق، وهو ليس دوراً أمنياً وحسب، بل دور سياسي أيضاً، وهذا ما يُبرر التوافق على عون، بحسب المصادر المطلّعة.
في المقابل، جاء كلام المسؤول عن وحدة الارتباط والتنسيق في “حزب الله” وفيق صفا بأن لا فيتو على العماد عون، كمؤشّر ايجابي لأن قائد الجيش نجح في اختبار عدم التصادم مع “الحزب”، ولم يخرج عن معادلاته الأمنية على طول الحدود اللبنانية البرية والبحرية والجوية… وبالتالي لا خسارة معه ما دام سيكون رئيساً على مسافة واحدة من الجميع.
ولا تستبعد المصادر المطلعة أن يكون تلميح المعارضة بانتخاب الوزير السابق جهاد أزعور، قد سهّل التوافق على عون، لأن الثنائي الشيعي لا يزال يعتبره مرشّح تحدٍ، وفي حال لم يُنتخب عون، يستطيع فريق المعارضة أن يؤمّن 65 صوتاً لانتخاب أزعور، ما يجعله فريقاً منتصراً. وتلفت المصادر إلى أن هذا الأمر وارد في حال حصلت أي عرقلة أو تأخير من الثنائي الشيعي في هذا المجال، ما سيدفع المعارضة إلى هذا الخيار، وستخرج منتصرة من الانتخابات.
وليس سراً أن أزعور يتمتع ببعد دولي جيّد لأنه كان مديراً لادارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، وهو يتمتع بكل المؤهلات ليكون رئيساً يحظى بالثقة أيضاً.
لكن هذا الخيار، على الرغم من واقعيته، لا يبدو في الواجهة الآن، بعد معطيات أكدت توافر عامل التوافق على انتخاب العماد عون اليوم بتأييد من أكثرية نواب المجلس.
وما لم تقع مفاجأة في ربع الساعة الأخير، سيكون لجلسة اليوم حصان واحد هو عون الذي يُتوقّع أن يُنتخب من الدورة الأولى، وهذا ما يؤكّد أنّ الظرف أحياناً يصنع الرئيس.


