هل يتكرر سيناريو فرنجية – سركيس أو تعتمد فتوى الحسيني؟

زياد سامي عيتاني

يلتئم اليوم مجلس النواب في جلسة تاريخية مخصصة لإنتخاب رئيس للجمهورية، قد تكون الأهم في تاريخ لبنان، الموضوع تحت المجهر الدولي والعربي وفي “العناية المركزة” لعواصم القرار، على مرأى سفراء وممثلي دول العالم الذين سيجتمعون تحت قبة البرلمان لمتابعة مجريات الجلسة “الحدث”، وإكتشاف وكشف نوايا النواب وكتلهم الحزبية والسياسية، لجهة إختبار مصداقيتهم “المهزوزة” (كي لا نقول المفقودة) في هذه المرحلة المفصلية والحرجة، التي أحوج ما يكون فيها لبنان إلى إنتخاب رئيس للجمهورية يحظى بمواصفات الخارج وثقته، كإنطلاقة وإندفاعة للشروع في عملية بناء الدولة ومؤسساتها والاقتصاد الوطني، تمهيداً لتأسيس “لبنان الجديد”.

قد تكون “لعبة” الأرقام هي المسار الذي سيتحكم بإدارة الجلسة ومجرياتها، وسط المناورات بتفسير المواد القانونية المتعلقة بالنصاب وعدد الأصوات لفوز الرئيس، والتي حوّلتها الكتل النيابية ومن يتحكم بها إلى “روليت”، وسط خشية من أن ينحدر البرلمان إلى “كازينو” للمقامرة بمصير الوطن والشعب.

تتطلب عملية انتخاب رئيس لبنان غالبية الثلثين (86 نائباً) من أصوات نواب البرلمان البالغ عددهم 128، في الدورة الأولى، في حين يكفي الحصول على الغالبية المطلقة (65 نائباً) في الجولات التالية. وفي هذا الاطار، وضع المحامي الدكتور بول مرقص رئيس مؤسسة JUSTICIA الحقوقية في بيروت مطالعة قانونية-دستورية بشأن موضوع النصاب المطلوب لجلسات الانتخاب سنداً للمادة 49 من الدستور، أكد فيها ضرورة “أن تتوافر أكثرية الثلثين في الدورة الاولي والأكثرية العادية في الدورات التي تلي عملاً بصراحة نص المادة 49 من الدستور”، لافتاً إلى أنّ “الأعمال الانتخابية تخضع للمادة 34 من الدستور، التي تكتفي بالنصاب العادي (أي النصف زائد واحد) في الدورات الانتخابية التي تلي الدورة الاولى”.

وقياساً على ذلك، الدورة الأولى تكون حاسمة إذا ما نال أحد المرشحين أو الأسماء المطروحة أغلبية 86 صوتاً، فيكون للبنان حينها رئيس للجمهورية، أما إذا لم ينل أغلبية الثلثين، فإن أيّ مرشح ينال في الدورات التالية الغالبية المطلقة، أي 65 صوتاً، يحظى بلقب “فخامة الرئيس”.

وعلى الرغم من الرهان على حسم الجلسة المنتظرة، لا يزال المشهد ملبداً بضبابية التوافقات والاجتهادات القانونية، فضلاً عن تصفية “الحسابات” السياسية، مع كل المساعي والضغوط العربية والغربية، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، وبالتالي يزيد من ضبابية المشهد، ليتحول إلى “سوداوي”، الأمر الذي قد يعوق إنهاء الشغور الرئاسي.

وفي غياب أي مرشح “جامع”، والتوافقات الحزبية والنيابية بكل أطيافها، وكذلك عدم انحياز الكتل الوسطية والنواب المستقلين إلى أي من محوري “الثنائي الشيعي” وحلفائه و”المعارضة”، فإن الجلسة قد تصل إلى الحائط المسدود، بعدم حصول أي مرشح على 65 صوتاً، خصوصاً وأن المواقف المعلنة لا تزال متباعدة، إلا أنه عند تقاطع المصالح السياسية، فإن الضرورات “الرئاسية” تبيح المحظورات السياسية، وعندها أي توافق بين مكوّنين كبيرين سيؤدّي إلى رفع نسبة انتخاب رئيس للجمهورية. أما في حال لم يتمكن أي من المرشحين من الحصول على ثلثي الأصوات في الدورة الأولى، وكذلك النصف زائد واحد في الدورات التالية، بسبب كثافة المرشحين وتشتت أصوات الكتل، فإن رئيس المجلس النيابي نبيه بري أمام خيار تأجيل عملية الانتخاب، أو أن يقلب الاستحقاق الانتخابي رأساً على عقب، من خلال اللجوء إلى مهاراته “الساحرية” في إبتكار الحلول عبر إخراج “الأرانب”.

في هذه الحالة، نكون أمام واحد من سيناريوهين:

-تكرارٌ لسيناريو معركة “الصوت الواحد” الوحيدة في تاريخ الانتخابات الرئاسية في لبنان التي كانت وقعت في 1970 وفاز فيها سليمان فرنجية وشكلت بمسارها ومناوراتها والقطب المخفية فيها مفاجأةً بامتياز، حين انحصرت المنافسة بين الرئيسين الراحلين سليمان فرنجية وإلياس سركيس، وسط غموض وعدم أرجحية لأحدهما على الآخر، بحيث حصل الرئيس سركيس في الجولة الأولى على 50 صوتاً من أصل 99 نائباً أعضاء المجلس النيابي وقتذاك، مقابل 49 صوتاً لفرنجية، لينقلب أحد النواب في الدورة الثانية ويقترع لصالح فرنجية الذي فاز بـ 50 صوتاً مقابل 49 لسركيس، من دون غياب أي نائب أو وجود أية ورقة بيضاء أو ملغاة.

-إعتماد فتوى الرئيس حسين الحسيني عام 1989، الذي إقترح أمام تعدد المرشحين العائدين من اتفاق الطائف، أن يترشح في الدورة الأولى من يشاء من النواب، وفي حال عجز أي من المرشحين عن الحصول على ثلثي أصوات أعضاء المجلس في الدورة الأولى، يتنافس في الدورة الثانية المرشحان اللذان حصلا على أكبر عدد من الأصوات. وهكذا كان، وانحصرت المنافسة في الدورة الثانية بين الرئيس الراحل رينيه معوض، ورئيس حزب “الكتائب” جورج سعادة، الذي انسحب بعدما شعر أن الكفة تميل بقوة نحو معوض.

أنظار العالم كله “متسمرة” اليوم على شاشات المحطات التلفزيونية لمتابعة وقائع جلسة الانتخاب، وسط آمال معلقة بأن يصبح للبنان رئيس تنتهي معه دوامة المراوحة والإنقسام والفراغ القاتل، ويشكل زخماً لانطلاق مرحلة سياسية وطنية جديدة كفيلة بمنع وضع أي مطبات أو عراقيل في وجه انطلاقة الدولة.

شارك المقال