بين الأمن والاقتصاد والسياسة… أي لبنان وأي رئيس نريد؟ 

ياسين شبلي

من عجائب الحياة السياسية اللبنانية – هل هناك في لبنان حياة سياسية فعلاً؟- أن هناك مرشحين لمنصب الرئاسة “غير مرشحين” مثلاً، ليس تعفُّفاً منهم بل لأنهم يخشون على أسمائهم من الحرق بلغة السياسة اللبنانية، هذه اللغة التي لا يفهمها إلا الراسخين في علم الصفقات السياسية، كما أن هناك غياباً كاملاً لأي مشروع سياسي المفروض أن يحمله أي مرشح – لو وُجد – لمنصب رئيس الجمهورية.

هذه التصرفات التي تقتصر على الحياة السياسية في لبنان من دون العالم المتحضر، توحي وكأن الترشح لمنصب رئيس الجمهورية هو خطوة تنطوي على نقيصة ما تجعل الجميع خائفاً من الاعلان عنها مع أن الجميع يتطلع إليها بشغف.

وما يسري على أشخاص المرشحين يصح كذلك على الكتل النيابية الناخبة التي تتهيَّب هي الأخرى الاعلان عن مرشحيها الفعليين وتتلطّى وراء كلمة “المواصفات” ما يوحي أيضاً وكأن في الأمر “تهريبة” ما، فبإستثناء الثنائي الشيعي الذي أعلن عن مرشحه منذ اليوم الأول ووقف عنده من دون أي محاولة جدية لـ “تسويقه” لدى الأطراف الأخرى التي ألقت بدورها بأسماء لحظوية – إذا صح التعبير -، وحدها كتلة “اللقاء الديموقراطي” وعندما جدَّ الجد أعلنت عن تأييدها الصريح لقائد الجيش العماد جوزيف عون المرشح “الطبيعي” للمنصب كونه مارونياً أولاً وقائداً للجيش ثانياً بعد أن دخل لبنان “دنيا العروبة” من باب حكم العسكر منذ أن قرَّر النظام السوري البائد في العام 1998 – وبعد الانقلاب الكلي على الطائف – ترئيس قائد الجيش يومها إميل لحود والتمديد له في العام 2004 رغماً عن الكثير من الفرقاء السياسيين في لبنان، لتكر السبحة بعده بحكم الأمر الواقع الذي فُرضَ بعد يوم السابع من أيار 2008 المشؤوم.

هذا الواقع يُعبِّر بطريقة أو بأخرى عن الاشكالية التي يعاني منها النظام السياسي اللبناني، من حيث الخلاف أصلاً حول أي لبنان نريد في الحقيقة، فعلى الرغم من نصف قرن من الحروب المتتالية ومن الاتفاق على وثيقة الوفاق الوطني المعروفة بـ “إتفاق الطائف” في منتصف هذه المدة، لا يزال الخلاف قائماً حول أي لبنان نريد وهو ما يؤدي فعلياً إلى الخلاف على هوية الرئيس، وما ذلك إلا لأن البعض إنقلب على إتفاق الطائف عبر تطبيق جزء بسيط منه بطريقة غير أمينة وإهمال الجزء الأكبر الذي لم يُطبَّق أصلاً.

اليوم ونحن على أبواب جلسة إنتخاب الرئيس، التي فرضتها – للأسف – تطورات الحرب الأخيرة على الساحة اللبنانية ولم تكن نتيجة لإحساس اللبنانيين بمسؤولياتهم، وبعد فراغ لأكثر من عامين ونيف في سدة الرئاسة، فان البلد المثقل بالمشكلات السياسية والاقتصادية والأمنية التي زادها حدةً الاحتلال الاسرائيلي المتجدد للأراضي اللبنانية، يبدو حائراً وهو على مفترق طرق خطير في ظل تطورات دراماتيكية في المنطقة كان آخرها سقوط نظام الأسد بما يمثِّل هذا الأمر من نعمة وفرصة للتحرر في لبنان إذا ما أحسنَّا التعامل معها، وفرصة ضائعة جديدة إن نحن إستمرينا في الاستهتار بمصالحنا الوطنية.

فالبعض يرى اليوم أن الأولوية يجب أن تكون للإستقرار والأمن عبر عودة الدولة الى ممارسة سلطتها الفعلية في البلاد إنطلاقاً من تطبيق القرارات الدولية كافة وعلى رأسها القرار 1701، ولذلك فهذا البعض يرى أن قائد الجيش هو الشخصية الأنسب لمنصب الرئيس لما يتمتع به من قبول لدى الولايات المتحدة وبعض الدول العربية المعنية بالساحة اللبنانية، فيما يعتبر البعض الآخر أن الهم الأساس يكمن في الاصلاح الاقتصادي والمالي وكذلك الاداري، ولذلك يرى هذا البعض في المصرفي سمير عساف رجل المرحلة وهو المعروف بصداقته للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وبالتالي يُعتبَر محسوباً على فرنسا، في حين يطرح آخرون بمواجهته إسم جهاد أزعور وهو الموظف في صندوق النقد الدولي بما قد يعنيه هذا الأمر – بنظر البعض – من إعتباره محسوباً على أميركا من باب الاقتصاد.

يجري هذا في ظل معرفة الجميع بأن رئيس الجمهورية وعلى الرغم من رمزيته وأهميته الدستورية، فإنه في ظل نظام الطائف لا يملك الصلاحيات اللازمة ليكون حاكماً بأمره، بل هو إلى الحَكَم أقرب وإن كانت شخصيته قد تجعل منه حَكَماً حازماً وعادلاً بين مختلف الفرقاء بصفته الوحيد الذي لديه ميزة القَسَم على الدستور بما هي مسؤولية وطنية كبرى، لذلك يبدو من المنطقي أن يكون الرئيس العتيد سياسياً وطنياً مستقلاً بالدرجة الأولى لديه إلمام بالتفاصيل اللبنانية، ولديه رؤية يطرحها عن أي لبنان نريد، وإن كنا نرى أن الطائف هو الحل الوحيد المتاح حتى إشعار آخر، بشرط العودة إلى روحه عبر تنقية التطبيقات السابقة من الشوائب، وتنفيذ ما تبقى من بنوده بجدية وأمانة من دون تذاكٍ أو تجاوز يفرضه فائض قوة من هنا أو هناك، فالواقع اللبناني على مدى نصف قرن هو عمر الحرب في لبنان أثبت أن لا قوة طائفية أو مذهبية أو غير لبنانية قادرة على التحكم بهذا البلد عبر التذاكي والتجاوز إلا إلى حين، وتكون النتيجة دائماً وبالاً على لبنان واللبنانيين، فهل من يتعظ هذه المرة بعد أن دار كأس السم دورته على كل الطوائف؟ أم أننا سندخل في دورة صراع جديدة قد تودي هذه المرة بالبلد إلى مهلكة أكبر وأخطر في ظل إعادة رسم المنطقة وحدودها السياسية وربما الجغرافية؟

إن الخميس لناظره قريب، ويوم الإنتخاب يُكرم النائب أو يُعاب.

شارك المقال