مع مرور شهر على سقوط النظام السوري، تبرز ملامح مرحلة جديدة في سوريا تحت سلطة الادارة العامة الجديدة التي تواجه تحديات جسيمة على الصعيدين الداخلي والخارجي. وعلى الرغم من الانفتاح العربي الحذر على هذه السلطة الوليدة، يبقى الجنوب السوري تحت ضغط مستمر من التوغل الاسرائيلي، ما يجعله نقطة اشتعال عسكرية وسياسية.
سيطرة استراتيجية على المرتفعات والسدود
على بعد 40 كيلومتراً من العاصمة دمشق، تواصل إسرائيل تعزيز نفوذها العسكري في الجنوب السوري، حيث أحكمت قبضتها على تلة الحرمون الاستراتيجية، وهي نقطة تمنحها أفضلية استخباراتية وعسكرية لا يُستهان بها.
وفي تحرك لافت، سيطرت القوات الاسرائيلية على سد المنطرة، وهو أكبر السدود المائية في محافظة القنيطرة. بسعة تتجاوز 225 مليون متر مكعب، يشكل السد شريان حياة حيوياً للزراعة والمياه في القنيطرة وريف درعا الغربي.
خسارة هذا المورد الحيوي تضع السكان المحليين في مواجهة مستقبلية لأزمة مائية واقتصادية خانقة. كما أن قرب سد الوحدة المشترك بين سوريا والأردن من الحدود السورية الاسرائيلية يضيف بعداً إقليمياً إلى الأزمة، حيث تعتمد المنطقة بأكملها على التدفق المائي المستقر من هذه المصادر، وهناك حالة من التخوف حول استيلاء إسرائيل عليه.
سد الوحدة وأزمة المياه الأردنية: تعقيدات متزايدة
سد الوحدة، الذي كان يُنظر إليه كأحد أعمدة التعاون السوري الأردني منذ تشغيله عام 2011، يعاني من نقص حاد في السعة التخزينية نتيجة السياسات المائية غير المستدامة. الاتفاقية الثنائية لعام 1987، التي نصّت على بناء الأردن سداً كبيراً مقابل إنشاء سوريا مجموعة من السدود الصغيرة، تبدو اليوم غير قابلة للتنفيذ بسبب حفر آلاف الآبار الجوفية في الجانب السوري، وهو ما أدى إلى تراجع منسوب مياه نهر اليرموك، المصدر الأساسي للسد.
في حين كان الهدف من المشروع هو تأمين تدفق مائي مشترك لضمان الاستقرار المائي في البلدين، أصبحت التحديات الحالية مضاعفة في ظل التدخلات الاسرائيلية التي تُعقد الجهود لاستعادة النظام المائي.
مناطق منزوعة السلاح ونفوذ إسرائيلي متزايد
في خطوة جديدة، تسعى إسرائيل إلى إنشاء منطقة حدودية خالية تماماً من الأسلحة في القنيطرة ودرعا، ضمن ما يبدو أنه استراتيجية لإقامة منطقة منزوعة السلاح تخضع لنفوذها الكامل. هذه السياسة تشمل عمليات تمشيط واعتقال متكررة، إلى جانب تدمير منهجي للبنية التحتية العسكرية، وكذلك إزالة الاحراش الطبيعية.
تحولت القنيطرة إلى مركز عمليات متقدم للقوات الاسرائيلية، فيما تُعد مواقع مثل تل الحمر وتلة الحرمون نقاطاً استراتيجية لتحصين هذا النفوذ. هذا الوضع يزيد الضغط على الادارة الجديدة التي تسعى جاهدة الى تأسيس بنية حكم قادرة على استعادة السيطرة الوطنية وضمان الاستقرار.
تحديات أمام القيادة الجديدة
في ظل هذه الظروف، تواجه القيادة السورية الجديدة اختباراً معقداً. فالتعامل مع التدخلات الاسرائيلية المتزايدة يتطلب استراتيجيات تجمع بين الديبلوماسية الصارمة والعمل الميداني. مع تعامل دولي واضح حذر حول الوضع في سوريا، تبقى الادارة الجديدة أمام معضلة التعامل مع خصم يوسع نفوذه يوماً بعد يوم. استعادة السيادة على المناطق الحدودية ليست مجرد تحدٍ عسكري، بل هي اختبار لقدرة هذه القيادة على إعادة بناء دولة قوية وقادرة على مواجهة التعقيدات الاقليمية.
التوغل الاسرائيلي في الجنوب السوري يعكس مزيجاً من المصالح الاستراتيجية والسياسية التي تصب في صالح نفوذها الاقليمي، بينما تشكل تهديداً مباشراً لاستقرار سوريا وأمنها القومي. يبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع الادارة الجديدة تحويل هذه التحديات إلى فرص لاعادة بناء سوريا، أم أن الجنوب سيبقى مسرحاً لصراعات مفتوحة تُهدد مستقبل البلاد؟


