سريعاً توجّه الرئيس المنتخب جوزاف عون إلى قصر بعبدا أمس وبدأ بمهامه الرئاسية، وهو العارف من موقعه السابق في قيادة الجيش اللبناني حجم المسؤوليات المترتبة عليه، وصعوبة التعامل مع طبقة سياسية اعتادت المساومات وإعطاء الأولوية لمصالحها على حساب الوطن اللبناني.
من الواضح أن عون ليس مستعداً لهدر الوقت في بلد مشلّع سياسياً واقتصادياً، لذلك سيبدأ الاستشارات النيابية لاختيار رئيس حكومة في أسرع وقت. لكن مصادر ديبلوماسية غربية تؤكّد أن هاجس الحرب الأخيرة بين اسرائيل و”حزب الله” لا يزال يخيّم على المسؤولين السياسيين اللبنانيين، ومن المنطقي أن تكون الشغل الشاغل للرئيس عون في بداية عهده، وهو كان متعمّقاً في هذا الملف نظراً إلى مسؤولياته في قيادة الجيش اللبناني. وربما أحد أسباب الدعم الدولي لانتخابه رئيساً كان كفاءته في قيادة المؤسسة العسكرية.
لا شك في أن وقف إطلاق النار لا يزال هشاً في الجنوب اللبناني، والجيش الاسرائيلي لا يزال يحتل بعض القرى الحدودية، ويقوم بعمليات عسكرية محدودة يبررها بوجود تحركات لـ”الحزب” هناك.
وترى المصادر الديبلوماسية أن الرئيس عون يعرف أن انسحاب القوات الاسرائيلية يتطلب جهوزية عالية من الجيش اللبناني للإنتشار مكانه، وهذا مرتبط بالمساعدات العسكرية الدولية التي من المتوقع أن تجد طريقها اليه بعد انتخابه رئيساً وخصوصاً أنه تعهّد في خطاب القسم أن “يحترم وقف إطلاق النار مع اسرائيل”، مؤكداً أنه “لن يتنازل عن استقلال لبنان وسيادته، وحان الوقت لوضع رهاناتنا على لبنان”.
وتكشف المصادر الديبلوماسية أن عون تلقى وعوداً أميركية بأن الجيش الاسرائيلي سينسحب تدريجياً من الجنوب، وقد بدأ ذلك من الخيام، مروراً بالناقورة وبنت جبيل وعلما الشعب وطير حرفا وبيت ليف وشمعا، وأبدت المؤسسة العسكرية اللبنانية كفاءة في القدرة والنيّة والحزم والسرعة والخبرة في الانتشار في القرى التي انسحب منها الجيش الاسرائيلي، ومن المتوقع أن تستكمل اسرائيل انسحابها من القطاعات الأخرى قبل انتهاء مهلة وقف إطلاق النار التي حددّت بـ60 يوماً، ولم يبق منها سوى 15 يوماً.
واللافت أنه بعد انتخاب عون رئيساً، تُرجّح المصادر الديبلوماسية أن يصمد وقف إطلاق النار طويلاً، وخصوصاً انه مدعوم من الولايات المتحدة والعديد من القوى الكبرى، إضافة إلى أن من مصلحة “الحزب” أيضاً أن يصمد في ظل كل هذا الدمار والنزوح.
وليس سراً أن احدى مهام الرئيس المنتخب الأساسية هي تنفيذ قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701، وهو طمأن المجتمع الدولي بحرصه على تطبيق “الفلسفة” التي قام عليها هذا القرار، وهي احتكار الدولة اللبنانية للسلاح، كما ورد في خطاب القسم.
وعلى الرغم من انتخابه رئيساً، لا يزال عون يتابع بالتفاصيل انتشار ألوية الجيش في الجنوب، وهي اللواء الخامس واللواء السابع وفوج التدخل الخامس، وتشير المصادر الديبلوماسية إلى أن هذه المهمة تشمل حتماً تخصيص الموارد لإسكان القوات/الثكنات، والخدمات اللوجيستية والقدرة على الحركة والتي تعد بالغة الأهمية لإجراء دوريات إضافية، والتخلص من الذخائر المتفجرة وغيرها من الاجراءات المرتبطة بمخابئ أسلحة “الحزب” في سلسلة جبال لبنان. وقد عملت اللجنة الدولية المشرفة على وقف اطلاق النار على التأكّد من توافر القوى البشرية لدى الجيش والقوة النارية للقيام بمهمته المحدودة. إلا أن قادة المؤسسة العسكرية وضعوا اللجنة في صورة أن ذلك لا يكفي، والجيش يحتاج إلى أنظمة مراقبة متطورة، ومركبات مدرعة، وآليات دفاع جوي، وأدوات تنسيق أفضل للرد على انتهاكات اسرائيل من جهة وتفلّت السلاح غير الشرعي من جهة أخرى.
ومن المتوقّع أن يؤدي انتخاب عون المدعوم أميركياً وسعودياً الى وصول المساعدات المالية من الولايات المتحدة والسعودية وفرنسا إلى الجيش اللبناني وكل ما يحتاج اليه من سلاح ضروري لإتمام مهمته على كل الأراضي اللبنانية تنفيذاً للقرار 1701.
ويعرف الرئيس المنتخب، وفق تقديرات أولية للبنك الدولي، أن الحرب تسببت في أضرار تقدّر بنحو 8.5 مليارات دولار على الأقل. لذلك سيتبع مهمته في نشر الجيش جنوباً وتثبيت وقف إطلاق النار، إطلاق ورشة إعادة إعمار للقرى والمدن المدمّرة، وكل ذلك سيؤمّنه بفضل المساعدات، إنطلاقاً من ثقة المجتمعين العربي والدولي بشخصه وتعهده بـ”الحياد الايجابي”، الذي لطالما طالبت به عواصم القرار.
لا شك في أن نوايا الرئيس المنتخب حسنة، ولديه كل الارادة والعزم لتطبيق ما أعلنه من برنامج عمل ووعود في خطاب القسم، إلا أنه بحاجة إلى حكومة متناغمة، تعمل كفريق عمل واحد، من دون تدخلات سياسية كالعادة، لذلك تبقى العبرة في التنفيذ!


