شمال شرق سوريا: أيام حاسمة لرسم مستقبل المنطقة

ماهر الحمدان

تسارع الأحداث في شمال شرق سوريا يعكس تعقيدات المشهد السياسي والعسكري في المنطقة، خصوصاً مع اقتراب عودة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، التي تراهن تركيا على اتخاذها قراراً بالانسحاب الكامل من سوريا، أو على الأقل الإبقاء على وجود محدود يشمل قاعدة التنف وأخرى في الشمال الشرقي تحت الحماية التركية. هذا الرهان التركي يتزامن مع محاولة قوات سوريا الديموقراطية “قسد” الدخول في مسار تفاوضي مع الادارة العامة في دمشق، يُوصف – في أفضل الأحوال – بأنه إيجابي، لكن ماضي “قسد” مع الاتفاقيات السياسية يلقي بظلال من الشك على استمرارية هذا المسار.

“قسد” ومسار الاتفاقيات المتعثرة

لطالما واجهت “قسد” اتهامات بعدم الوفاء بالتزاماتها في المذكرات التي أبرمتها مع القوى السياسية السورية، بحيث انسحبت منصات كهيئة التنسيق الوطنية ومنصة موسكو من تفاهمات سابقة مع مجلس سوريا الديموقراطية “مسد”، الجناح السياسي لـ”قسد”. هذه الانسحابات المتكررة جاءت نتيجة عدم التزام “مسد” بأي من بنود الاتفاقيات. تاريخياً، كانت “قسد” تلجأ إلى هذه المذكرات لتخفيف الضغط العسكري، محاولة إظهار عمقها السوري ونفي أي ارتباطات خارجية، لكن سريعاً ما تنكشف الحقائق وتنهار الاتفاقيات.

الادارة الذاتية ودعوات للتدخل الدولي

في ظل الضغوط المتزايدة على “قسد”، دعت الادارة الذاتية التابعة لحزب الاتحاد الديموقراطي (PYD)، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني (PKK)، فرنسا إلى نشر قوات على الحدود مع تركيا. الهدف من هذه الدعوة هو تهدئة مخاوف تركيا وضمان عدم دخولها إلى المنطقة. ومع ذلك، جاء الرد التركي على لسان وزير الخارجية هاكان فيدان، الذي استبعد أي دور لفرنسا في هذا الملف. وأوضح فيدان أن “محاورنا الوحيد في هذه القضية هو أميركا”، مشيراً إلى أن تركيا لا تعير اهتماماً للدول التي تسعى الى تحقيق مصالحها في سوريا تحت غطاء النفوذ الأميركي.

وأضاف فيدان بعبارات حاسمة: “لا يمكننا أن نعيش في ظل مثل هذا التهديد. إما أن يتخذ طرف آخر هذه الخطوة، أو سنتخذها نحن”. وأكد أن تركيا تمتلك العزم والقوة للتعامل مع التهديدات من مصدرها، مكرراً تحذيرات سابقة أطلقها الرئيس رجب طيب أردوغان. من جهة أخرى، شدد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، على أهمية ضمان استقرار سوريا وسيادتها ووحدتها، مؤكداً أن ذلك يصب في مصلحة تركيا وفرنسا وأوروبا.

ضغوط وتصعيد متزايد

في ظل هذا المشهد، أكد مصدر في غرفة عمليات “فجر الحرية” لموقع “لبنان الكبير”، أن التحضيرات الميدانية لاقتحام المناطق الشرقية وصلت إلى مرحلة اللاعودة، مشيراً إلى أن الغرفة تعتمد بنسبة كبيرة على أبناء المنطقة الشرقية الذين يصرون على العودة إلى منازلهم، معتبرين القتال الخيار الوحيد لتحقيق ذلك. وأضاف المصدر أن “قسد” تدار فعلياً من كوادر عسكرية كردية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني في قنديل، مع تهميش واضح لدور الأكراد السوريين، موضحاً أن الفرصة التفاوضية التي أُتيحت لـ “قسد” كانت محدودة، وأن أي فشل في تسليم المنطقة ومواردها للإدارة العامة يعني أن المواجهة العسكرية ستكون حتمية، خصوصاً مع التراجع المتوقع للدور الأميركي في المنطقة.

على الرغم من ظهور بوادر إيجابية في المسار التفاوضي بين الادارة العامة و”قسد”، إلا أن الطريق ما زال طويلاً، في ظل تسارع الأحداث وضيق الوقت. تركيا، إلى جانب فصائل غرفة عمليات “فجر الحرية”، لم تعد تمتلك صبراً تجاه تعقيدات المشهد، خصوصاً مع تنامي الضغط الشعبي من أبناء المنطقة للعودة إلى منازلهم وإنهاء الهيمنة الأحادية التي فرضتها “قسد”. يُقارن هذا الواقع بحالة شبيهة بالجبهة التقدمية السورية، ولكن تحت عباءة مجلس سوريا الديموقراطية.

دعوات لتحكيم العقل

في هذا السياق، دعا آرام الدوماني، أمين سر التحالف السوري الوطني، في حديث لموقع “لبنان الكبير” إلى ضرورة تجنب إراقة الدماء والاحتكام إلى العقل. وأكد أهمية أن يكون التفاوض مع الادارة العامة وطنياً بامتياز، يعزز وحدة الأراضي السورية، ويضمن عودة الحدود ومؤسسات الدولة إلى سيادة الحكومة المركزية في دمشق. كما شدد على ضرورة إخضاع موارد الدولة النفطية لتوزيع عادل بين جميع السوريين، بعيداً من المحاصصة أو الهيمنة.

التحديات في مسار التفاوض مع “قسد”

وذكر مصدر لموقع “لبنان الكبير”، أن مسار التفاوض مع “قسد” لا يزال طويلاً وشائكاً. الادارة العامة أوضحت أنها لن تقبل بوجود “قسد” ككيان مستقل ضمن الجيش السوري، بل يجب أن تخضع للمعايير ذاتها التي تُطبق على بقية الفصائل، بما يشمل حل نفسها بالكامل وإعادة ترتيبها تحت إشراف وزارة الدفاع.

كما أن مسألة الثروات والموارد النفطية تُعد غير قابلة للتفاوض، بحيث ترى الحكومة المركزية أن مسؤولية إدارة هذه الموارد يجب أن تكون بيدها بصورة كاملة، مع إعادة توزيعها بطريقة عادلة، بعيداً عن أي شكل من المحاصصة أو تقاسم السلطة على غرار النموذج اللبناني. وأشار المصدر إلى أن مسار التفاوض يجري حول تسليم تدريجي لبعض المعابر الحدودية ومؤسسات الدولة، إلا أن العائق الأساسي يتمثل في إصرار “قسد” على الإبقاء على هويتها العسكرية المستقلة والاستحواذ على جزء كبير من الثروات النفطية، التي تقع بمعظمها في مناطق عربية.

على الرغم من أن “قسد” تسعى الى إظهار نفسها كممثل لكامل المكونات في المنطقة، إلا أن نفوذها يبقى محصوراً في إطار الهوية الكردية إلى حد كبير. ويقتصر الوجود الكردي بصورة رئيسية على الحسكة وجزئياً في الرقة، بينما يتجاوز الوجود العربي نسبة 80% من سكان المنطقة، وهو ما يعكس فجوة كبيرة بين الطموحات السياسية لـ “قسد” والواقع الديموغرافي على الأرض.

بينما تتشابك المواقف وتتزايد التحديات، يبدو أن الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير شمال شرق سوريا. فإما أن تنجح “قسد” في استغلال الفرصة التفاوضية الأخيرة، أو أن تواجه واقعاً عسكرياً قد يغيّر ملامح المنطقة بالكامل.

شارك المقال