لم تكن مسيرة المعارضة في تسمية رئيس حكومة جديد سهلة، لكن ذلك لم يؤثّر على أهدافها المبدئية لجهة اختيار رئيس حكومة يتلاءم مع إنطلاقة العهد الجديد الذي بدأ مع انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية.
ولا شك في أن المعارضة تضم شخصيات سياسية سنيّة وازنة، وهي تتمتع بتمثيل جيد ومواصفات سيادية تلتقي مع المبادئ والوعود التي أطلقها عون في خطاب القسم، وتصرّفت المعارضة انطلاقاً من اعتبارات وطنية لا طائفية ضيّقة.
وأكدت مصادرها أنها “تدرك جيداً أن رئيس الحكومة سنيّ لكن اختياره يحصل من خلال استشارات وطنيّة، يُشارك فيها نواب من كل الطوائف، وهذا ما لا يجوز أن يعتبره البعض تحدياً واستفزازاً للطائفة السنيّة الكريمة”، فكما شارك جميع النواب في انتخاب رئيس للجمهورية، يكفل الدستور لكل النواب، مهما كانت طائفتهم، تسمية من يرون أنه مناسب لرئاسة الحكومة”. وتلفت المصادر إلى أن “أقل الايمان كان أن تتفق المعارضة على تسمية شخصية سنيّة من صفوفها تتشارك معها المشروع السياسي في وجه المشروع الآخر الذي اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وأوصل لبنان إلى ما وصل اليه على المستويات كافة”.
طرح الفريق الممانع وبعض النواب المتقاطعين معه إسم نجيب ميقاتي لإعادة تكليفه، وتشير المصادر إلى أنه “على الرغم من أن تجربة ميقاتي كانت في كثير من الأوقات متناغمة مع الحزب، أصرّ عليه البعض بطريقة غير مسؤولة، والهدف ابقاء البلد في ما هو عليه ومنعه من النهوض”.
ومن المعروف أن المعارضة تضم نائبين سنيين لهما حيثية سياسية: أشرف ريفي وفؤاد مخزومي، وتوضح المصادر أنهما “قبل يومين من الاستشارات أبديا رغبتهما في تولي المسؤولية، وكان لا بد من انسحاب واحد لمصلحة الآخر، كي ندخل في مرشّح واحد، وهذا ما حصل، عندما أعلن ريفي انسحابه لمصلحة زميله، بعدما أقنعه بعض العلماء في دار الفتوى، بأن مخزومي بيروتي، وربما يكون أقل استفزازاً للبعض، وخصوصاً أن قسماً غير قليل في طرابلس وعكار والضنية لا يحبّذ ريفي، وعكس انسحابه تحسساً بالمسؤولية الوطنية”.
بعد ساعات معدودة، طُرِحَ إسم القاضي الدولي نواف سلام من بعض النواب والكتل النيابية، فتكثّفت الاتصالات ليلاً بين أقطاب المعارضة ومخزومي، وتقول مصادر المعارضة: “كان لا بد من اجراء بوانتاج حول إمكان الفوز في ظل تنافس ثلاثة مرشحين: ميقاتي ومخزومي وسلام، فخرجت مكوّنات المعارضة باستنتاج أن سلام قد يحظى بأكبر عدد من الأصوات لإزاحة ميقاتي المرفوض بصورة تامة من المعارضة، وهذا ما اقتنع به مخزومي نفسه، معلناً انسحابه من المعركة لمصلحة سلام”.
حتماً لم تمارس السعودية أي ضغط، وتركت اللعبة تسير ديموقراطياً، ولا يبدو أن لديها مانع حول إسم سلام، وهو قاضٍ لم يتلوث في وحول السياسة اللبنانية سابقاً، كفّه نظيف، وقد يُشكل ثنائياً جيداً مع رئيس الجمهورية المنتخب.
وتعتبر مصادر المعارضة أن تميّز سلام سيكون على صعيد علاقاته الديبلوماسية، وهذا مفيد للبنان، والأهم أنه غير محسوب على الممانعة.
وعما أثير عن مسألة رئاسته للمحكمة الدولية وانتقاد الولايات المتحدة الأميركية لها على خلفية إدانة رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو، ترى المعارضة أن “ذلك غير مؤثر بتاتاً، وبمجرد أن يصبح رئيساً للحكومة اللبنانية، لا تعود لديه علاقة بالمحكمة، وسيتم التعامل معه دولياً على أساس منصبه اللبناني الجديد”.


