عشرون عاماً من المستقبل!

د. نسب مرعب

الأوطان لا تشيخ، بل تبقى كفتى جسور لا يكلّ عن محاولة إكتشاف ذاته المتّقدة، ويحيك علاقاته الغامضة مع محيطه القريب، ولا يتوقف سعيه الدؤوب عن إلتماس الآفاق المترامية التي تلوح من فجر التجربة.

الأوطان لا تنضج، لأنها ما إن تكتمل تخبو، لذا تكبر بسنيّها، تتمادى في مكانتها، تتجلّى في صرخات كل مولود جديد يبزغ من رحمها، ولكنها أبداً لا تخمد شعلاتها، فهي في عملية تشكّل متواصلة تتذوّق فيها حلاوة العيش والتعايش من دون هوادة، وبرغبة المرّة الأولى.

ريعان وطني يتدفّق كفكرة فائقة مذهلة، مشلّعة من كتاب قسوة الحياة وبريقها. طبعاً لم يعرف وطني أسس الدولة التّامة بعد، ولم يختبر حكم المؤسسات، ولم ينتظم وفقاً للقوانين إلاّ في فترات نادرة تشبه الحلم البريء والسريع. ولقد إستيقظ وطني على رصاص الميليشيات الموجّه منها والطائش، كما تاه في أروقة الدول، وحضر طبقاً شهياً على طاولاتها.

عانى بلدي، سلبوه طاقته، لكن يأبى سوى السهر على ضوء النجوم، وما أجملها شخصياته الفنية تلمع في فضائه كل برهة، برغم كل ما يخترقه من إنتهاكات جوية. وتتعالى ضحكات بحر بلدي كلما عانقت أمواجه صخوره وقبّلتها عنوة. وهو تجاوز كل أنواع التلوث والحصار والردم، حتى أضحى يتمدد من جديد كأنشودة خلّابة تضجّ بحيوية التحدّي على هامش الشاطئ المتعب والطامح في آن.

مناطق بلدي تتراوح بين مهمّشة بفعل الحرمان أو منكمشة بفعل العدوان.. لكن رغم الأسى الشديد، يستمر النبض متلهّفاً للقاء المستقبل. إنّ بلدي قد لا يكون دولة بالمعنى المتعارف عليه في أصول السياسة العالمية، ولكنه بالتأكيد وطن موسوم بحروف ماسيّة، كل حجر فيه كريم، وكل كريم فيه قامة ساطعة لا تكفّ عن التبلور عشقاً للأرض ووفاءً لأهلها.

ومن يليق به صفات الجود والتألق والتميّز في لبنان كشخصية الرئيس الشهيد رفيق الحريري! عشرون عاماً معك، نفتقدك ونجدك، نشتاق لك، نناديك، نهرب إليك، ونهبّ لإحياء ذكراك. عشرون عاماً مرّت ثقيلة، مفعمة باليأس، ممزوجة بالكبرياء، وملطّخة بالتناحر، ومكلّلة بالانجاز.. نعم كل ذلك وأكثر، وكنت فيها الحاضر الأكبر.

كنت تلهمنا في أوقات التشتت، ونتمسّك بك كعصفور جميل لا نريد له أن يغادرنا. كان الوطن أحياناً قفصاً موحشاً، وكنت أنت زقزقته الوحيدة، ورفرفته الوحيدة. وأنت الدليل الدامغ على أننا نمتلك وطناً ونستحقه فقط، لأنّنا أفرطنا في حبك، وغرقنا في ذروة قممك، وتفتّحنا في شذى عطرك.

عشرون عاماً من المستقبل، لأنك لا ولن تنتمي إلى الماضي، حتى في رحيلك تتقدم، والزمن يتكاثر معك ولا يتقهقر. لا نزال ننهل منك، ولا تنضب حاجتنا لك. إنّها عشرون عاماً من المستقبل لأنك تركت فينا سعدك، فأصبح أيقونة الفكرة التي لا تحتضر، والمشروع الذي لا يُختزل، والوعد الذي لا يهرم.

شارك المقال