العدو دمّر 40 قرية تراثية… أبنية النبطية القديمة صارت ركاماً

فاطمة البسام

يوماً بعد يوم يتضح حجم الخسائر وأنواعها بعد انجلاء غبار الركام عن بعض المناطق للتدقيق أكثر في لائحة المفقودات التي أصابتها آلة الحرب، وأبرزها المباني والمعالم الأثرية التي تعرّضت لإستهدافات وتهديدات مباشرة مثل قلعة بعلبك، أرنون، شقيف، وسبق أن تعرضت مدينة صور المدرجة على قائمة التراث العالمي لـ “اليونسكو” لضربات عنيفة ألحقت دماراً واسعاً بوسطها، وأدت إلى سقوط عدد كبير من الضحايا، وكذلك غيرها من المناطق، ولعل الحصة الأكبر من الاستهدافات الاسرائيلية المتنوعة طالت مدينة النبطية، التي تعرضت لمسح كامل على صعيد المحال التجارية، الأسواق والأبنية التراثية.

وقبل أن ندخل في مهلة الهدنة المعطوبة، استهدف العدو الاسرائيلي، مبنى “المجلس الثقافي للبنان الجنوبي” في مدينة النبطية – وهو بيت أثري أُنشئ قبل أكثر من 100 عام وكان يستخدم مركزاً ثقافياً اجتماعياً لأبناء المنطقة، وهو واحد من أهم المنازل التراثية والتاريخية في المدينة.

ويشير الباحث والكاتب علي مزرعاني، لموقع “لبنان الكبير”، وهو من سكان النبطية أيضاً، إلى أن البلدة تحتوي على حوالي 10 الى 15 بيتاً ومعلماً تراثياً، جميعها يعود الى القرن التاسع عشر والقرن العشرين. وتمتاز هذه المعالم وفق مزرعاني بشكل القناطر، القرميد ونوعية الحجر، إلاّ أن معظمها للأسف تعرّض للقصف أو الأضرار.

ومن أبرز المعالم التي تعرّضت للإستهداف والدمار الكلّي، 5 مخازن تجارية، تقع في الساحة الرئيسية للنبطية، تعرف باسم خان بيت جابر، وكانت قبل سنوات مقراً للحكومة الحاكمة في شقيف، التي انطلقت إلى النبطية فيما بعد، أمّا عمرها فيفوق الـ250 سنة.

“امتعاض في النبطية”

ويوضح مزرعاني، أن بعض هذه المعالم جرف بعد الحرب بسبب الأضرار التي تعرّض لها، ما أثار موجة من الغضب عند أبناء البلدة، ولكن وفق مزرعاني، اللجنة التي تتولى أمر الهدم والترميم قدّمت وعوداً للسكان بأن تعيد تشييد المعالم كما كانت، وترميم الصالح منها.

ويعزو مهدي صادق، المدير التنفيذي التابع لـ “مؤسسة النادي الحسيني”، وهي الجهة المسؤولة عن إزالة الركام في البلدة، إمتعاض البعض من أهالي النبطية، الى إعتراضه على كيفية العمل، وإزالة بقايا القناطر التراثية، وإتهامنا بتشويهها، لافتاً إلى أن لجاناً تابعة لمجلس الجنوب قامت بالكشوفات الهندسية اللازمة، وتم إبلاغهم بضرورة هدمها، كونها غير صالحة للترميم على الاطلاق. ويلفت الى أن اللجنة قامت بمراجعة مديرية الآثار، التي طلبت منها الاحتفاظ بالحجارة التي تتم إزالتها، وذلك من أجل إستعمالها مجدداً عند البدء بإعادة الإعمار مجدداً.

ويضيف صادق لموقع “لبنان الكبير”: “ان الخلاف أُعطي صبغة سياسية وحزبية، إلاّ أن الجهات المعنية قامت بتدارك الأمر من خلال تقديم التوضيحات اللازمة”.

الى ذلك، تواصل “لبنان الكبير”، مع المكتب الاعلامي التابع لوزارة الثقافة، الذي أوضح نقلاً عن الوزير محمد المرتضى، أن “القصف الكثيف طاول العديد من المدن التاريخية في جنوب لبنان والبقاع، وقد دمّر العدو بصورة كبيرة ما يقارب 40 قرية لبنانية تراثية في جنوب لبنان ولا يزال يمعن في تدمير قرى وأحياء. وللتمكن من تحديد الأضرار التي تعرضت لها المواقع الأثرية، يجب القيام بعملية تقييم مفصلة للمواقع الموجودة في المناطق التي تعرضت للعدوان، وبالتالي الخطوات العلمية والتقنية اللازمة للتعامل مع وضع كل حالة”.

ومن المواقع التي كانت عرضة بصورة مباشرة للاعتداءات المسلحة: قلعة شمع التي تعرضت الى تدمير بصورة كبيرة جداً، قلعة تبنين، قلعة شقرا، قلعة الشقيف أرنون، السور الروماني في بعلبك، كنائس وجوامع في العديد من القرى والبلدات، مع الاشارة هنا الى المواقع غير المعروفة التي قد تكون تعرضت ايضاً للتدمير.

وأضاف: “ان التعامل مع المواقع التي تعرضت الى قصف وهدم جزء منها سيكون حسب كل حالة، فحيث لدينا توثيق للموقع أو المعلم أو القرية فإنه سيتم الترميم مع الأخذ في الاعتبار ضرورة توثيق التدمير الذي حصل حيث أنه جزء من تاريخ المعلم. وقد يكون التعامل أحياناً عبر إعادة البناء خصوصاً بالنسبة الى القرى التراثية والتي من واجبنا الحفاظ على هويتها”.

ولفت الى أن “وزارة الثقافة – المديرية العامة للآثار تقوم بالتعاون مع العديد من شركائها الدوليين والمحليين بوضع آلية علمية لتقييم الأضرار وبالتالي الترميم أو إعادة بناء ما تهدم وذلك وفق المعطيات التاريخية، الأثرية والعلمية المتوافرة. ان هذا الأمر يتطلب تضافر جهود العديد من أجهزة الدولة بحيث أن الاعتداءات لم توفر مواقع أثرية أو قرى تراثية، لذلك فإن المقاربة يجب أن تكون شاملة للسماح بالترميم ضمن إطار الحفاظ على هوية إرثنا”.

وأكّد “اللجوء الى المجتمع الدولي بهدف حماية مواقع ثقافية في لبنان وذلك وفق اتفاقية لاهاي 1954 وبروتوكولاتها. فلبنان من الأعضاء المؤسسين لمنظمة اليونسكو، وقد انضم الى غالبية الاتفاقيات الدولية التي تحمي الممتلكات الثقافية، ويؤمن بالوسائل القانونية ولهذا فقد لجأ الى هذا الأسلوب لحماية إرثه الثقافي من التدمير ومن آلة الحرب الهمجية. وسنواصل جهدنا لحماية ارثنا الثقافي بكل الوسائل المتاحة لنا. ولن نوفر طريقة في هذا الشأن عبر شكاوى نتقدم بها عند أي اعتداء على مواقع ومعالم، خصوصاً بعد القيام بعملية تقييم الأضرار”.

شارك المقال