السعودية ستدعم لبنان… ولكن!

زياد سامي عيتاني
لبنان والسعودية

زار وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان لبنان أمس، في أول زيارة يقوم بها أكبر ديبلوماسي سعودي إلى بيروت منذ 15 عاماً، وذلك على وقع المشاورات التي يُجريها الرئيس المكلَّف نواف سلام لتشكيل الحكومة العتيدة، ما قد يمنحه هامشاً ضيقاً من الوقت لتذليل العقبات التي تواجه ولادة الحكومة، التي تعوّل عليها البلدان التي أبدت رغبة صريحة بمساعدة لبنان على التعافي، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية.

ومع وصول الوزير السعودي، بدأت الأنظار تترقب الدعم المالي الخارجي للبنان ولا سيما من الدول الخليجية، وما إذا كانت الزيارة تشكل بداية لهذا الدعم، خصوصاً وأنها تأتي بالتزامن مع مساعي الرياض لتعزيز دورها في لبنان وفتح صفحة جديدة معه، وهو الذي يواجه تحديات سياسية وإقتصادية كبيرة، وهذا ما برز من خلال الجهود المضنية التي بذلتها لإنهاء الشغور الرئاسي والضغط “الايجابي” لإنتخاب العماد جوزاف عون (الذي يحظى بدعم محلي وخارجي) رئيساً للجمهورية، وبالتالي تسهيل تسمية القاضي نواف سلام تشكيل حكومة العهد الأولى.

وتعكس زيارة الوزير السعودي التحولات السياسية الجذرية في لبنان والمنطقة بعد الضربات القوية التي تعرض لها “حزب الله” من العدو الاسرائيلي جراء الحرب التي دارت بينهما أواخر العام الماضي، ومنذ أن أطاحت المعارضة المسلحة الرئيس السوري السابق بشار الأسد في كانون الأول، ما يشي بأن لبنان عاد مجدداً إلى قائمة أولويات السعودية في إطار إهتمامها بسوريا المجاورة، التي تلعب الرياض فيها دوراً قيادياً في التواصل مع الحكومة الجديدة.

لا أحد يمكنه إنكار كل المكارم السعودية السخية تجاه لبنان، والتي هي موضع تقدير بالغ لا حدود له من كل اللبنانيين، فالسعودية أنفقت مليارات الدولارات في لبنان، وأودعت الأموال في البنك المركزي، وساعدت في إعادة بناء الجنوب عام 2006، ودعمت عدداً من السياسيين اللبنانيين، فلم تجد إلا “حزب الله” ينمو ويزداد قوة بدعم من إيران، التي انتشر نفوذها في أنحاء المنطقة، الى أن بات يشكل خطراً حقيقياً على الأمن القومي السعودي.

لذلك، على اللبنانيين ألا يتوقعوا أن يقدم السعوديون هذه المرة الدعم غير المشروط الذي كان يتدفق إلى لبنان في السابق، إذ إن المملكة اليوم مختلفة عن السابق، وأهم ما يميز هذا الاختلاف عن سابقه أن قيادة المملكة تتعامل بالعقل أكثر من العاطفة، خصوصاً إذا تعلق الأمر بقضايا متكررة خضعت للتجارب وأهدرت ما أهدرت من طاقات وموارد. بمعنى أكثر وضوحاً أن العطاء المفتوح بلا تعهدات لا طائل منه بعدما تحول هذا العطاء عنصراً مساهماً في تكريس الفساد وتمادي الفاسدين، وبدل أن يبني ما تدمّر ساعد في تدمير ما بقي من هيكل الدولة.

فالطبقة السياسية اللبنانية التي حكمت في السنوات الأخيرة راكمت ثرواتها بمليارات الدولارات وحولتها الى الخارج، وسط تبادل التهم في ما بينها عن الهدر والسرقة والفساد، فيما غابت عن الدولة الشفافية والحوكمة والحدود الدنيا للإصلاحات، من دون أن تتوانى تلك الطبقة الحاكمة عن توظيف الدعم الذي كان يتدفق الى لبنان في المساومات التنفيعية، ثم أكملت نهجها على الناس العاديين، الذين تبخرت أرصدتهم الشخصية في المصارف، نتيجة السياسة المالية والعامة لما بقي من دولة تناتشتها مصالح رموز طائفية سيطرت على الدولة وتحكمت بكل مقدراتها.

بناء عليه، فإن المملكة لن تقدم الدعم للبنان إلا بتوافر المتطابات التالية:

-إعادة إنتاج السلطة السياسية وفقاً للمعايير الدستورية التي نص عليها إتفاق “الطائف”، لتستعيد الدولة إستقلاليتها وقرارها الحر، وإنتظام عمل مؤسساتها الدستورية والأمنية والقضائية والرقابية، للإنطلاق نحو إعادة بناء دولة مقوماتها الشفافية والإصلاح والمحاسبة وسيادة القانون، وأن يتوقف انتهاك الدستور.

-الالتزام بالقرارات الدولية، لا سميا القرار 1701، وحصر السلاح على الأراضي اللبنانية بالقوى النظامية الشرعية، وإيجاد آلية ديبلوماسية “ضاغطة” لإلزام العدو الاسرائيلي الالتزام بمعاهدة وقف اطلاق النار والإقلاع عن الخروق التي ما يزال يمعن بها.

-الالتزام بالانتماء العربي سنداً لما ينص عليه الدستور وبناء أفضل العلاقات الأخوية “من الند الى الند” مع مختلف الدول العربية الشقيقة، التي تعتبره رئة نتنفس منها كل ما هو جميل، وقلباً ينبض بثقافة الحياة في أصعب الظروف.

-أن تتولى الدول المانحة مباشرة الاشراف على مساعدات إعادة الإعمار وفق آلية دولية، أي أن تعاين وتخطط وتنفذ وتراقب، ولا تترك هذه المسؤولية للطبقة السياسية اللبنانية. الدول المانحة، وفي مقدمها السعودية لم تعد “جمعيات خيرية”، لذلك فإن مقتضيات إعادة الإعمار هي في العمق إعادة لإعمار دولة القانون والمؤسسات. فهل يتلقف اللبنانيون المفاهيم الجديدة لدعم لبنان وإنقاذه؟

شارك المقال