لماذا بدت مصر هادئة في ذكرى ٢٥ يناير؟

عبد المنعم مصطفى

أربعة وثلاثون عاماً بالتمام والكمال استغرقتها مسيرة المصريين من قلب القاهرة الى ميدان التحرير، أقصر مسافة، وأطول رحلة، من انتفاضة يناير (كانون الثاني) ١٩٧٧ الى انتفاضة يناير ٢٠١١، الانتفاضة الأولى أسماها المحايدون “انتفاضة الخبز”، أما أنور السادات الذي كانت حكومته قد أعلنت وقتها رفع أسعار بعض المواد الغذائية، فقد أسماها “انتفاضة الحرامية”… الانتفاضة الثانية رفعت هي أيضاً مطلب الخبز “العيش” لكنها أضافت اليه بعض ضروراته (الحرية) ، وبعض موصلاته ( العدالة الاجتماعية) وبعض شروطه (الكرامة الانسانية).

الجيل الذي خرج في انتفاضة “الحرامية” مطالباً، بالخبز، ليس هو ذاته الجيل الذي خرج في ٢٥ يناير مطالباً بالخبز مغموساً بالحرية مشروطاً بالكرامة، فالمسيرة بين الانتفاضتين قد استغرقت جيلين كاملين. في المسافة بين الجيلين، جرى إنعاش – وأحياناً “خلق” – تيارات للإسلام السياسي، ظن السادات أنها قد تخلصه من صداع اليساريين والناصريين، لكنها ابتلعته هو نفسه في مشهد سيتوقف أمامه التاريخ طويلاً، حيث جرى اغتياله بينما كان يستعرض جيشه في ذكرى أعز انتصاراته على الاطلاق في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) ١٩٨١.

بعد نحو عام على مقتل السادات على أيدي جماعات إسلامية رعاها رجاله، أنتجت شبكة “بي بي سي” تحقيقا تلفزيونياً، انطلقت فيه من سؤال واحد، هو: لماذا بدت القاهرة هادئة يوم مقتل السادات في السادس من أكتوبر عام ١٩٨١؟

في البحث عن الاجابة، عرضت الشبكة البريطانية مشاهد جنازة جمال عبد الناصر الذي خرجت مصر كلها تقريباً لتشييعه الى مثواه الأخير، ثم انتقلت الشبكة الى جنازة السادات وقد خلت الا من ضيوف كبار كان أبرزهم مناحم بيغين رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك، وثلاثة من الرؤساء الأميركيين السابقين جيمي كارتر وجيرالد فورد وريتشارد نيكسون، والرئيس الفرنسي جيسكار ديستان، اما المصريون فقد غاب أغلبهم عن مشهد تشييع رئيسهم، بينما حرنت الخيول التي كانت تجر عربة مدفع تحمل نعش السادات الى مثواه الأخير، بصورة أثارت ذعر المشيعين.

ذهب مراسل “بي بي سي” الى مزرعة يملكها حسام أبو الفتوح أحد رموز الرأسمالية الجديدة في عهد السادات، وحرص على تصوير أبو الفتوح وهو يمارس في مزرعته المترامية الأطراف، هواية الصيد ببندقية مزدوجة فيما تسقط فرائسه صريعة ليلتقطها أحد كلابه المدربة جيداً. كما حرص المراسل ذاته على مرافقة باحث شاب في مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام رحلته اليومية من مقر صحيفة “الأهرام” في شارع الجلاء بقلب القاهرة، وحتى بيته في احدى العشوائيات شرق القاهرة، وحينما وصل الباحث الشاب ( س-ز) الى بيته، ارتقى سلماً صعب الارتقاء الى شقته المتواضعة، ثم عاد حاملاً وعاء بلاستيكياً لينضم الى طابور انتظار طويل أمام صنبور عمومي ليحصل على حصته من المياه!

في المسافة بين الملياردير أبو الفتوح وبين باحث الدراسات الاستراتيجية المهمش، سقط السادات، وغاب المصريون عن جنازته، هكذا أراد تحقيق شبكة “بي بي سي” أن يقول لمشاهديه لماذا كانت القاهرة هادئة في يوم السادس من اكتوبر ١٩٨١.

ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ إذاً كانت ذروة مسار تاريخي بدأ قبلها في يناير ١٩٧٧، وتعاقب على متابعته جيلان من المصريين، جيل صادرته الدولة المصرية، وطحنته آلة القمع الجهنمية، وجيل توهم بعضه أن مصادرة الدولة المصرية هي الحل، وبسبب الخلاف بين الدولة التي صادرت أحلام جيل انتفاضة ١٩٧٧ وبين الجيل الذي توهم بعضه أن الحل هو مصادرة الدولة المصرية، بدا المشهد في احتفالات الذكرى الخامسة لثورة ٢٥ يناير، مثيراً للتساؤل مجدداً: لماذا بدت القاهرة هادئة في احتفالات ثورة يناير؟ لماذا خلت من أية مظاهر احتفالية؟ لماذا تحول المصريون من شعب يحصي إنجازاته ويعددها، الى شعب يحتفل كل صباح بأن رأسه ما زال فوق عنقه؟

وبينما كان البعض في مواقع التواصل الاجتماعي يضع صورة لميدان التحرير الخالي تماماً من المارة، وقد كتب تحتها على لسان الرئيس: وديت الشعب فين يا حسين؟ في إشارة الى مشهد مماثل من فيلم “طباخ الرئيس”، سألت الأصدقاء عن سر هدوء القاهرة في ذكرى ٢٥ يناير، بعضهم اعتبر أن “الناس زهقت”، وبعضهم رأى أن هوس الاعلام الأمني – على حد وصفه – ربما كان السبب، فيما قال آخرون ان الناس ما زالت في “فترة التربص” بانتظار حدوث التغيير، بينا قال فريق رابع ان “تكبيرالدماغ هو السبب”.

في ظني فان خلو الشوارع من أية مظاهر احتفالية، أو احتجاجية، لا يمكن أن يكون مشهداً مطمئناً في المطلق، لأنه في التحليل الأخير قد يعني أننا بإزاء حالة عزوف عام عن المشاركة، أياً كانت أسباب هذا العزوف الجماعي ودوافعه، وفي ظني أيضاً أن ميل الحكم أحياناً الى إنتاج مفاجآت سارة للبسطاء من شعبه، مثل بعض المشروعات التي يجري البدء بها سراً ثم مفاجأة الشعب بما أنجز منها، أو مثل حجب التوقعات السيئة عن الناس ولو بدافع الشفقة، كل ذلك يقود الى نتيجة واحدة مرعبة هي “حالة عزوف عام عن المشاركة” لا بالإيجاب ولا بالسلب.

لا يستطيع أي جيش مهما بلغت قوته أن يخوض الحرب بمنأى عن شعبه، ولا تستطيع اي حكومة مهما بلغ مستوى التفويض الشعبي لها، أن تعمل من دون مشاركة شعبية حقيقية، ولا يستطيع أي شعب أن يشارك بحق، ما لم تبدأ هذه الشراكة من منطقة أن الشعب هو مصدر السلطة وهو صاحب الحق الأصيل، وأنه من يفوض، ومن يراقب، ومن يحاسب، ومن يعاقب ومن يكافئ.

الشعب لا يطلب الشراكة، فهو صاحب رأسمال الوطن كله، لكن السلطة هي من تطلب التفويض الشعبي وتسعى الى الحصول عليه من خلال حوار شفاف تتاح فيه المعلومات كافة للشعب ولمن يمثلونه في مؤسسات القرار.

لا تستطيع أي أمة التصدي لتهديدات تتعلق بصميم وجودها، مثل تلك التي تواجهها مصر، من دون بناء حالة اصطفاف شعبي عام خلف مؤسساتها، والاصطفاف لا يتحقق بالتخويف من الغد، ولا بنظرية “احمدوا ربنا انكوا موش زي سوريا ولا ليبيا ولا العراق”.. الاصطفاف يتحقق بإنتاج الأمال في الغد، ونجاح أي نظام للحكم، يتوقف على مدى قدرته على انتاج الآمال وتفجير الطاقات لتحقيقها.

احترسوا من أعراض عزوف جماعي عن المشاركة، ولا تحسبوا الهدوء المصاحب لذكرى يناير، لحظة انتصار، فالتخويف يمكن أن ينتج متربصين، أما التحفيز فهو ماكينة انتاج المبدعين، وما أحوجنا الآن الى عشرات المبدعين في كل مجال.

شارك المقال