السعودية تسابق الزمن لدعم سوريا: رؤية شاملة لإحياء دولة منكوبة

ماهر الحمدان

تسارع المملكة العربية السعودية الخطى لدعم الجمهورية العربية السورية ومد مؤسساتها بكل ما يلزم من دون أي سقف محدد، في محاولة لإحياء بلد خرج من أتون الصراع كهيكل عظمي تتطلب إعادة بنائه جهوداً أشبه بالمعجزة. المملكة، التي تعمل من دون اعتبارات مصلحية أو رغبة في توسيع نفوذها، تضع في أولوياتها إعادة سوريا إلى الحاضنة العربية ضمن إطار الأمن القومي العربي المشترك، بعيداً عن أي تموضع في حلف إيراني أو فكر متطرف يسعى إلى تصدير أيديولوجيات ثورية.

التوافق بين المملكة ودمشق أصبح واضحاً في العديد من النقاط، لا سيما في الرؤية المستقبلية التي تتبناها الادارة السورية لإحياء اقتصادها المتضرر، وهو ما ظهر جلياً خلال تصريحات وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني في مؤتمر “دافوس” الذي شهد مشاركة سوريا للمرة الأولى في تاريخه. في هذا السياق، تتطلع دمشق إلى الافادة من تجارب ناجحة، مثل رؤية السعودية 2030 وتجربة سنغافورة، لتطوير استراتيجيات تنموية مستدامة.

على الصعيد الانساني، لا تتوقف السعودية عن تقديم العطاء، إذ أقامت جسوراً إغاثية بلا حدود لدعم الشعب السوري. في الوقت نفسه، تواصل المملكة جهودها الديبلوماسية لإزالة العقوبات الغربية المفروضة على سوريا، بحيث حققت اختراقات بالتعاون مع دول إقليمية، مثل قطر، عبر الدفع نحو رفع تدريجي لهذه العقوبات، مع الأمل في إزالتها كلياً لإتاحة الفرصة أمام دمشق لتحقيق تعافٍ كامل. وقد أكد وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان هذا الهدف خلال مؤتمر صحافي عقده في قصر الشعب بدمشق مؤخراً.

دعوة رسمية وصندوق دعم خليجي

مصادر متعددة كشفت لموقع “لبنان الكبير” أن قائد الادارة العامة للجمهورية العربية السورية أحمد الشرع تلقى دعوة رسمية لزيارة المملكة، ومن المرجح أن تكون الزيارة خلال الأيام القريبة المقبلة بالتزامن مع اجتماع مجلس التعاون الخليجي في مكة. الدعوة تشمل أيضاً مشاركة وزير الخارجية السورية بناءً على تنسيق رسمي بين الجانبين. ومن المقرر أن يلتقي أحمد الشرع بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، على أن يؤدي مناسك العمرة وربما يزور الحي الذي ترعرع فيه في الرياض.

الاجتماع الخليجي المرتقب سيشهد الاعلان عن مبادرات حاسمة، من بينها إنشاء صندوق لدعم الاستقرار في سوريا بتمويل خليجي سخي، يهدف إلى إعادة إعمار المؤسسات، وقطاعي الطاقة والمصارف، بالاضافة إلى تقديم مساعدات لإعادة بناء الجيش والقوات الأمنية. هذا المسعى لا يقتصر على السعودية وحدها، إذ تلتقي الرغبات السعودية والتركية في دعم سوريا، مع الأخذ في الاعتبار موازنة المصالح الاستراتيجية بين الرياض وأنقرة.

أمين سر التحالف السوري الوطني، آرام الدوماني أوضح في تصريح لموقع “لبنان الكبير” أن التحديات أمام دمشق تفرض عليها إدارة دقيقة لعلاقاتها الاقليمية. وشدد على أهمية التعاون مع السعودية وتركيا في إطار شراكة استراتيجية شاملة لبناء سوريا قوية تكون جزءاً من رؤية تنموية عربية وإسلامية أوسع، تقوم على الاستدامة الاقتصادية وبناء قدرات عسكرية وأمنية متطورة، بالافادة من الخبرات السعودية، التركية والغربية.

وفي هذا السياق، أكد مؤسس حركة الاصلاح والتغيير الدكتور فاروق أبو بلال لموقع “لبنان الكبير” أن العلاقات مع المملكة العربية السعودية تتجاوز البعد السياسي لتشكل امتداداً حيوياً للشعب السوري وعمقاً إسلامياً. وأشار إلى أن المملكة، بالنظر إلى تاريخها في دعم الشعوب واستقرار الدول العربية والاسلامية، يُتوقع منها دائماً الأفضل. وأضاف أن الرياض أرسلت إشارات واضحة إلى دمشق تعكس رغبتها في بناء قوى الشرطة والأمن الداخلي وتعزيز الهيئات الحدودية، وهو ما يصب في مصلحة استقرار سوريا ومنع انزلاقها نحو الفوضى. كما أكد أن الادارة السورية ترحب بهذه المبادرات، وأبوابها مفتوحة دائماً أمام الأشقاء العرب، في إطار الجهود الاقليمية لتعزيز الأمن وإعادة بناء الدولة السورية.

تأمل المملكة العربية السعودية أن تسهم جهودها المتواصلة في إعادة سوريا إلى حالتها الطبيعية وإطلاق مشروع نهضوي شامل، لا يختلف كثيراً عن رؤية السعودية 2030، بما يعزز استقرار المنطقة ويعيد للأمة العربية مكانتها الاقتصادية والاستراتيجية.

شارك المقال