رفيق الحريري باقٍ… والطغاة إلى زوال!

ياسين شبلي

 

حلت الذكرى العشرين لجريمة العصر بحق لبنان وأحد رجالاته الكبار، جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005، ولبنان والمنطقة يعيشان أجواء شبيهة – ولو بالشكل – بالأجواء التي كانت سائدة يومها وأدَّت تداعياتها من ضمن ما أدت إلى عملية الاغتيال، وإن كانت – حتى الآن على الأقل – توحي بأنها مغايرة بنتائجها أقله بالنسبة الى لبنان، أو كأنها هي إستكمال أو إستدراك متأخر لتداعيات تلك المرحلة وأخطائها والتي بدأت بغزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين بتفاهم ضمني مع إيران التي كان يشكِّل – بغض النظر عن الموقف منه – سداً منيعاً أمام سيطرتها على المنطقة ووصولها إلى المتوسط، هي التي أحسنت إستغلال هذا التفاهم والافادة منه إلى أقصى حد في مخططها للسيطرة على المنطقة، سواء كان ذلك بغض نظر أميركي – إسرائيلي – وهو الأقرب إلى الواقع، أو بسبب من “إجتهادها” وتفانيها في تطبيق مشروعها وحُسن إختيار أدواتها، والقضايا التي تبنتها للدفاع عنها ودعمها بالمال والسلاح والدعاية، إضافة إلى السلاح الأمضى ألا وهو سلاح “الفتوى” والتكليف الشرعي الذي لطالما كان في خدمة المشروع السياسي، وفي الحالتين سواء في المرحلة السابقة أم اليوم، المنطقة ولبنان من ضمنها هي التي دفعت ولا تزال الثمن غالياً من إستقرارها وأمنها وأرواح بنيها ومستقبلهم.

بدأت المرحلة الأولى بغزو أفغانستان إثر أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، مدفوعة بحقد على كل ما يمت بصلة إلى “الإسلام الجهادي السني” حد الاجتثاث، الأمر الذي إستغله بخبث ولؤم وخلط للمفاهيم أصحاب المصالح في المنطقة من إسرائيليين وإيرانيين ضد خصومهم من العرب بحجة “الإرهاب”، في ظل إدارة أميركية عنصرية متطرفة يقودها ما أطلق عليهم اسم “المحافظين الجدد”، وهكذا كان الدور بعد أفغانستان – “طالبان” التي كانت تشكل إزعاجاً لإيران، على العراق حيث وقع صدام حسين الذي كان هزمها شر هزيمة وأول من تجرّأ وقصف تل أبيب بالصواريخ في الأسر الأميركي، ليُسلَّم بعدها الى المشنقة الايرانية لتكون بذلك طهران قد “ضربت” عصفورين بحجر أميركي واحد بحيث أمَّنت خاصرتها الرخوة في أفغانستان وإنطلقت بإتجاه المتوسط عبر العراق، ولم يبقَ سوى لبنان لكي تستكمل “هلالها” خصوصاً مع إرتماء النظام السوري صاحب اليد الطولى في حكم لبنان يومها أكثر وأكثر في أحضانها طلباً لدعمها خشية مواجهة مصير نظام البعث في العراق نفسه على أيدي أميركا.
كان رفيق الحريري يومها وكما كان دائماً يمثِّل جسر التواصل بين اللبنانيين بعضهم البعض، وبينهم وبين العالم العربي والعالم، ولهذا لم يكن من اليسير إستكمال “الهلال الايراني” بوجود شخصية كبيرة بأهمية رفيق الحريري الذي كان قد بدأ يعيد تموضعه السياسي في الداخل عبر تواصله مع بقية أطياف المعارضة اللبنانية التي كانت تصبو الى إنسحاب القوات السورية من لبنان ورفع الوصاية عنه خصوصاً بعد الخروج الاسرائيلي عام 2000 وتحرير الجنوب، وكان لا بد من قطع هذا الجسر الجامع والرابط بين اللبنانيين والعالم، فكانت جريمة 14 شباط 2005 التي نفذها – بغض النظر عن الأشخاص الذين أدانتهم المحكمة – محور الممانعة بالتكافل والتضامن بين أطرافه كافة، هذا المحور الذي تعرَّض ويتعرض في ذكرى جريمته الـ20 إلى محاولة إجتثاث ليشرب من الكأس نفسها التي سقاها للبنان والمنطقة طيلة 20 عاماً ذاقت فيها المنطقة وخصوصاً لبنان الأمرين جراء سياساته ومغامراته غير المحمودة ولا المحسوبة والتي أوقعت البلاد والعباد في نكبات تلو النكبات، ليحل يوم 14 شباط 2025 وسيرة رفيق الحريري العطرة باقية ومسيرته مستمرة على الرغم من الصعاب عبر إبنه البار سعد، الذي رفض الثأر درءاً للفتنة ومنعاً لسفك الدماء وتحمَّل جراء ذلك ظلم البعيد والقريب، وطالب بالحقيقة والعدالة مفوِّضاً أمره لله وعدالة السماء، التي قضت بأن يُقتل – ولو بعد حين – كل من جاء إسمه من القتلة الصغار في سجل هذه الجريمة، كما قضت بأن رفيق الحريري باقٍ في قلوب محبيه… بينما الطغاة الكبار مضوا إلى زوال.

شارك المقال