الحريرية تستعيد زعامةً يحتاج اليها الحكم والحكومة 

عبدالوهاب بدرخان
سعد الحريري

الذكرى العشرون لاغتيال رفيق الحريري تعيد تكريس زعامة سعد الحريري. الذكرى اكتسبت أبعاداً أكثر عمقاً من سقوط النظام الأسدي في سوريا وهزيمة “حزب إيران/ حزب الله” في لبنان وانكفاء النفوذ الإيراني ومشروعه في لبنان. لم يكن ممكناً احياء الذكرى إلا برؤيتها من خلال هذه التطورات الإقليمية الكبيرة، تحديداً لأن الاغتيال حصل بقرارٍ من نظامَيْ الأسد والملالي وعُهد الى “الحزب” بتنفيذه. كذلك، لأن الزمن دار دورته وأعاد تأكيد أن رؤية الحريري الأب وضعت لبنان، الخارج آنذاك من حرب أهلية، على الطريق الصحيح للتنمية والتطوير والتحديث. وأصبح واضحاً الآن أن هذين النظامين قررا التخلص منه لأسباب كثيرة أبرزها أنهما أرادا وقف مسيرة انهاض اقتصاد البلد بعدما قطع أشواطاً مهمة فيها، وتقصّدا حرمان لبنان من الدعم الدولي (حتى لو كان مخصصاً للجنوب- ما بعد التحرير) فيما هما يعانيان من عزلة دولية.

وللأسف أمكن للاغتيال أن يحقق أهدافهما، إذ إن الحلفاء المحليين للنظامَين برعوا في أن يكونوا أدوات هدم وتخريب، وأن يقودوا البلد الى أسوأ أزمة اقتصادية وأسوأ تهرّب من تحمّل مسؤوليتها ومن خطط معالجتها، الى أسوأ سمعة خارجية لدولة لا مصداقية لها ولا يمكن الوثوق بها، وإلى أسوأ سياسة خارجية أفقدت لبنان كل احتضان عربي وهو في أمسّ الحاجة إليه. وأصبح واضحاً الآن، أيضاً، أن الاغتيال كان الخطوة الأولى، وتوالت بعدها خطوات التعطيل والتهشيم لمحاولات سعد الحريري إكمال مسيرة والده، بالأحرى مسيرة لبنان، وحين لا يأتي التعطيل من داخل الحكم ومجلس الوزراء، في آخر أيام الأب وطوال الحقبات المتقطعة لحكومات الإبن، كانت أجندة “حزب إيران” تتولّى ذلك التعطيل، من “حرب تموز” الى “غزوة بيروت” والحرب على المحكمة الدولية ومتابعة الاغتيالات وافتعال التوتّرات، وصولاً الى استعداء “انتفاضة 17 تشرين” وقمعها… وكلّ ذلك قبل حرب “اسناد غزّة” التي أفضت الى هزيمة دُمّرت خلالها أجزاء كبيرة من الجنوب والضاحية والبقاع، وزادت بتداعياتها من عمق الأزمة الاقتصادية.

ترك غياب سعد الحريري وتعليق نشاط “تيار المستقبل” خللاً ملموساً في المشهد السياسي، ما أربك حتى الخصوم الذين كانوا دفعوا في اتجاه هذا الغياب، أو “التغييب” كما استشعرته القاعدة الشعبية، ومع ذلك حافظت هذه القاعدة على وفائها له، ولوالده الشهيد بطبيعة الحال، ولولا تماسكها وصلابتها لما كان هذا الحشد الكبير في الرابع عشر من شباط. فترة الغياب كان يمكن أن تجازف بضربة قاصمة للحضور الشعبي، خصوصاً أن استحقاقاً انتخابياً تخللها وشكّل فرصة واختباراً لجميع الطامحين الى الزعامة وملء الفراغ، وبينهم من هم أقرب القريبين. لكن بدا أن موعد الذكرى الأليمة أعاد الأمور الى نصابها، وكان من الطبيعي والضروري أن يكون موعد العودة الى الناس والوطن.

والأهم أنه خلال الغياب تكررت تجربة الشغور الرئاسي، وكان سعد الحريري خبرها في الشغور الأول وخشي وقتها على الدولة فساهم في إنهاء الشغور مبرهناً أنه ليس اقصائياً وتوصّل الى تعهدات سياسية من ميشال عون و”تياره” لكن سرعان ما انكشف نفاقها. ولا شك أن المتغيرات المهمة التي طرأت أخيراً ساهمت في حسم قرار العودة وانهاء تعليق العمل السياسي، ومن ذلك الطريقة التي أنهي بها الشغور الرئاسي الثاني بانتخاب الرئيس جوزف عون وما رافقه من آمال باستعادة الدولة وهيبتها، كذلك اختيار نواف سلام الذي كانت ساحات “انتفاضة 17 تشرين” رشّحته لرئاسة الحكومة وكان الحريري زكّى ترشيحه أيضاً.

أيُّ دورٍ للحريرية العائدة الى لبنان فيما تطمح السياسة جلّ معانيها أو كلّها؟ سعد الحريري كرر في خطابه أكثر من مرّة أنه مصمم على الاستمرار في نهج والده، وأنه يريد للبنان أن يكون “دولة طبيعية”. أما نهج الوالد فيمكن استكماله عبر شبكة العلاقات والرؤية التنموية الشاملة وتوفير الموارد اللازمة، وأما استعادة الدولة والسعي الى جعلها “طبيعية” فباتا أملاً واقعياً يمكن تحقيقه من خلال الحكم والحكومة، والمؤازرة العربية والدولية لهما، لكنهما يحتاجان الى المساهمات المحلية الإيجابية الداعمة لجهودهما. هذا دور يمكن أن يقوم به سعد الحريري انطلاقاً من توجّه تلقائي لديه بتغليب مصلحة البلد. ذاك أن الحريرية برهنت عملياً أنها نقيضٌ وبديلٌ حقيقيان للخيارات الجهنمية، أمنياً واقتصادياً وسياسياً، التي اعتمدها “حزب إيران” وحلفاؤه ورعاعه. والحريرية سعت دائماً الى أن تكون شبيهة باللبنانيين جميعاً، وإلى أن تكون جامعة وغير محبذة للتفريق في ما بينهم، ورغم أنها تُوضع وتُحسب عادةً في اطار مذهبي إلا أنها كانت ويمكن أن تبقي على انفتاحها وقبولها للآخرين، شرط أن يكونوا سلميين وتحت سقف الدستور والقوانين.

لا يمكن تصوّر الحريرية، العائدة مع الابن، في المعارضة ولا في موالاة باهتة وغير مجدية. يمكن أن تكون واسطة العقد/ واسطة الخير في الجمهورية، ولا بد من الاستفادة من قدراتها في هذا الموقع، كذلك من علاقاتها الإقليمية. ولعل أهم المبادئ التي أرستها الحريرية أنها لم تجنح الى الثأر بل بحثت عن العدالة بعد اغتيال مؤسسها ورمزها. والأكيد أن الحريرية مشروع أولاً وأخيراً، وقد أوقفه القتلة ولم يأتوا بأفضل منه بل أمعنوا في التخريب. لكن كل مشروع يحتاج الى مراجعة بعد مضي عشرين عاماً على تعطيله، والمراجعة تكون في الشكل والمضمون، كما في الأشخاص الذين كان رفيق الحريري بارعاً في اختيارهم لكفاءاتهم وخبراتهم.

شارك المقال