عودة النسر

لينا دوغان

شكلت الذكرى العشرون لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، مفترقاً مهماً جداً كونها تأتي على وقع أحداث المنطقة المرتبطة بهذا الاغتيال، مما جرى من تطهير لسوريا من براثن عائلة الأسد وأيضاً ما حدث مع “حزب الله”، المتهمين الأساسيين بقتل رفيق الحريري، وإن كانت هذه الذكرى راسخة في عقول اللبنانيين وقلوبهم عاماً بعد عام، لما يشكله الشهيد الكبير من قيمة ورؤية ومرحلة ذهبية من تاريخ لبنان عاشها جيل وهو مستمر في تربية أولاده على مبادئها، لأن مرحلة رفيق الحريري تُدرس ليس في التاريخ وحسب، بل تتناقلها الأجيال حباً ومعزةً ومودةً ووفاءً وإخلاصاً وثقةً، بأن مشروع الحريرية السياسية هو من أنقذ لبنان في آخر الحرب الأهلية، ومن سيكمله سيحمل مشروعاً يتماهى مع ما يحتاج اليه البلد من خطط إنقاذية والعين على سعد الحريري، حامل إرث الحريرية السياسية وحاميه.

بعد أن علق عمله السياسي، جلس سعد الحريري يراقب عن بعد ما يجري على الساحة اللبنانية، والموضوع لديه لم يخضع للمراقبة فقط إنما أيضاً للمراجعة الذاتية، وبعد كل هذه المدة وعندما رأى أن الفرصة مؤاتية للعودة كما وأن هناك ظرفاً مناسباً قادماً على البلد، على الجميع اغتنامه والتمسك به لمساعدة لبنان على الخروج من كل أزماته، كانت عودة النسر ضرورية ليحلق بالبلاد من جديد ويفتح الطريق للخط الحريري بالعودة الى حضن وطن لطالما افتقده.

عام ٢٠٢٢ نشر سعد الحريري مقطع فيديو عبر حسابه على تطبيق vero بعنوان نسر يولد من جديد، ويظهر الفيديو القرارات الصعبة التي يتخذها النسر لينجح، وأمام هذه الانحدارات التي تهدّد حياة النسر، يوضع أمام خيارين، إما الاستسلام أو المضي بعملية تغيير مؤلمة جداً، تحمل الكثير من المعاناة رغبةً في الحياة ليحلق النسر وكأنه مولود جديد لينتهي الفيديو بسؤال وجواب: لماذا التغيير مطلوب؟ إنه من أجل النجاة والاستمرار. علينا أن نبدأ بعملية التغيير، علينا التخلّص من الذكريات المزعجة، العادات السلبية، والعقلية الثابتة. ومن خلال التحرر من عبء الماضي، يمكننا الافادة من الحاضر. لقد اختار الحريري هذا الفيديو الرمزي ليقول إنه اختار ولادة جديدة يستفيد من حاضرها ويتحرر من العبء الذي رُمي عليه من كارهي وطنه لبنان.

عاد الحريري وكان العود أحمدُ، عاد لإحياء ذكرى استشهاد والده متحدثاً هذه المرة وليس ملتزماً الصمت كما في المرات السابقة، عاد ليقول لجمهوره الكبير الكثير، في خطاب محبوك من ألفه الى يائه، خطاب لا تشوبه شائبة باختصار خطاب “ولا غلطة” شمخ فيه وعلا الى أرقى مستويات التخاطب ليتفاعل معه جمهوره بأعلى درجات الانصات، وليقول الحريري له إن العودة حُسمت وإن التيار الأزرق ضرورة في الحياة السياسية اللبنانية، ليرد عليه بأن أحداً لم يستطع مهما حاول أن يأخذ مكان سعد الحريري لا في السياسة ولا في العقول والقلوب، وليردد معه مراراً: “كل شي بوقته حلو”.

عاد سعد الحريري نسراً محلقاً في سماء بلاده، نسراً وإن هبت عليه رياح عاصفة هوجاء، فإنه واجهها بكل حزم وقوة، ليثبت لكل الفرقاء في الوطن خصوصاً الذين حمّلوه أثقال أفعاله وأفعالهم، أنهم لن يستطيعوا إكمال الطريق من دون التوازن ولن يستطيعوا تحقيق التوازن من دون الاعتدال الذي ينشده لبنان والمنطقة أكثر من ذي قبل، بعد أن تحقق الجميع من أن التطرف والعنف لا يجلبان الا الخراب، ولا يمكن للبنان إلا أن يلفظ كل الايديولوجيات السياسية البعيدة عن التوجه السياسي للمجتمع المتعطش للاستقرار والأمن والحرية والأمان.

شارك المقال