وسط تصاعد التوترات في شمال سوريا وشرقها، تلوح في الأفق بوادر اتفاق سياسي بين الدولة السورية في دمشق و”قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) وذراعها السياسية “الادارة الذاتية”، إلى جانب “مجلس سوريا الديموقراطية” (مسد). وعلى الرغم من أسابيع من الجمود، تشير التصريحات الأخيرة إلى انفتاح غير مسبوق بين الطرفين، ما يثير التساؤلات حول مدى إمكان تحقيق تسوية مستدامة.
تقارب غير مسبوق
في خطوة قد تعيد تشكيل المشهد السياسي السوري، وجه قائد “قسد”، مظلوم عبدي، تهنئة الى الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، معرباً عن دعمه لتكثيف التواصل بين جميع السوريين. ولم تقتصر تهنئة عبدي على المجاملات الديبلوماسية، بل جاءت مصحوبة بدعوة رسمية للشرع لزيارة شمال شرق سوريا، في إشارة إلى استعداد “قسد” لتعزيز الحوار مع الحكومة المركزية.
وعلى الرغم من أن هذه التطورات تعكس تحولاً في الخطاب، إلا أن التحديات لا تزال قائمة. عبدي شدد على التزام “قسد” بإخراج جميع المقاتلين الأجانب من صفوفها، وهي خطوة قد تساهم في تعزيز الثقة بين الطرفين، لكنها في المقابل تتطلب إجراءات ملموسة لضمان التنفيذ.
نقاط الاتفاق والتحديات العالقة
في اجتماع موسع جمع بين “قسد”، و”مسد”، و”الادارة الذاتية”، تمت مناقشة عدة ملفات حساسة، أبرزها التأكيد على دمج المؤسسات العسكرية والأمنية ضمن الجيش السوري، ولكن من دون تحديد الآلية التي سيتم من خلالها دخول هذه القوات، سواء كقوة مستقلة أو كأفراد، وهو ما تطلبه الدولة السورية. في المقابل كشف مصدر عسكري في “قسد”، لموقع “لبنان الكبير” أن القوات لن تنضم كأفراد إلى الجيش السوري، وإنما تصر على الانضمام ككتلة مستقلة، على أن يتم الاعتراف بتدريباتها وكفاءتها العالية، بحيث تكون نواة يمكن الاعتماد عليها مستقبلاً في تشكيل جيش سوري موحد.
كما تم التشديد في الاجتماع على ضرورة إعادة تفعيل المؤسسات المدنية في المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد”. إضافة إلى ذلك، اتفق على انسحاب المقاتلين الأجانب لضمان سيادة الدولة السورية، ما يبدد مخاوف تركيا. وتمت أيضاً مناقشة تسهيل عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية. وعلى الرغم من هذه النقاط المتفق عليها، إلا أن هناك فجوات واضحة لا تزال قائمة. ففي الوقت الذي تسعى فيه دمشق إلى استعادة سيطرتها الكاملة على المنطقة، تحاول “قسد” الحفاظ على شكل من أشكال الادارة الذاتية، ما يعقد الوصول إلى اتفاق شامل.
مواقف متباينة حول مستقبل الاتفاق
الآراء حول مستقبل هذا التقارب لا تزال متضاربة.
الشيخ رياض درار، عضو الهيئة الرئاسية لـ”مجلس سوريا الديموقراطية” (مسد)، أشار في حديثه إلى موقع “لبنان الكبير” الى أن المفاوضات مع الحكومة السورية الحالية شبه متوقفة، على الرغم من وجود أرضية مشتركة تم التفاهم عليها سابقاً بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي. وأوضح أن هذه المفاوضات كان يفترض أن تتطور عبر تشكيل لجان مختصة، تعمل على متابعة النقاط التي تم الاتفاق عليها وتفعيلها، لكن هذا الأمر لم يحدث حتى الآن، ما أدى إلى حالة من الجمود في العملية التفاوضية.
ورأى درار أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن “قسد” و”مسد” تحمل دلالات إيجابية، بحيث أنها توضح بصورة غير مباشرة القضايا الأساسية التي يمكن أن تكون محور الاتفاق بين الطرفين. وأكد أن هذه القضايا تعتبر بالغة الأهمية، نظراً الى تأثيرها المباشر على الوضع الأمني والعسكري والاقتصادي والاداري في مناطق الادارة الذاتية.
ولفت إلى أن أي اتفاق فعلي يتطلب لقاءات رسمية بين المعنيين، سواء كانوا من القيادات العسكرية التي يمكنها مناقشة الجوانب الأمنية ومسألة دمج القوات، أو من المسؤولين الاقتصاديين الذين يمكنهم البحث في آليات تحسين الواقع المعيشي، أو حتى من الاداريين المعنيين بإدارة المؤسسات الحكومية وسبل دمجها أو التنسيق بينها وبين مؤسسات الدولة السورية.
كما أكد أن التهنئة التي وجهها القائد العام لـ”قسد” إلى الرئيس الشرع تحمل في طياتها إشارة واضحة إلى وجود رغبة في التقارب، وأن هناك استعداداً للتفاهم مع الحكومة الحالية من أجل إيجاد حل مشترك يحقق الاستقرار والسلام. واعتبر أن هذه الخطوة يمكن أن تمهد الطريق للوصول إلى تسويات من شأنها إنهاء الأوضاع المتوترة، خصوصاً في ظل الهجمات المستمرة التي تشنها الفصائل الموالية لتركيا على مناطق مثل ست تشرين، وجسر قرقوزاق، وبعض المناطق القريبة من كوباني.
في المقابل، أبدى مصدر حكومي سوري لموقع “لبنان الكبير” ترحيبه بمحادثات “قسد”، لكنه أكد أن أي اتفاق يجب أن يضمن تفكيك القوات العسكرية للإدارة الذاتية ودمجها بصورة كاملة في الجيش السوري.
أما الدكتور فاروق الإبراهيم، رئيس حركة الاصلاح والتنمية، فشدد في حديثه لموقع “لبنان الكبير” على ضرورة عدم منح “قسد” أي نفوذ إداري في المناطق العربية مثل دير الزور والرقة، معتبراً أن هذه المناطق يجب أن تعود لإدارتها من سكانها الأصليين.
هل يمكن تحقيق تسوية دائمة؟
في ظل هذه التباينات، يبقى التساؤل الأساسي: هل يمثل هذا التقارب مقدمة لحل طويل الأمد، أم أنه مجرد مناورة سياسية تهدف إلى تحقيق مكاسب مؤقتة؟
حتى الآن، لا تزال هناك عقبات جوهرية أمام تنفيذ الاتفاقات، بحيث تتطلب الخطوات القادمة توافقاً حقيقياً بين دمشق و”قسد”، مدعوماً بإجراءات ملموسة تعزز من فرص نجاح أي تسوية.
وبينما تستمر المفاوضات، يبقى مستقبل شمال سوريا وشرقها مفتوحاً على جميع الاحتمالات، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة.


