لا ندري لماذا يتشابه “حزب الله” واسرائيل إلى هذا الحد في العمل ضد مصلحة لبنان، وهما يتسلّحان بالذرائع لتستمر الأزمات في هذا البلد الصغير؟ ويبدو أن بقاء اسرائيل في خمس نقاط استراتيجية في الجنوب اللبناني سببه معلومات مشتركة مع الولايات المتحدة الأميركية عن استمرار وجود مسلّح لـ”الحزب” في جنوب الليطاني وشماله، فيما يرفض “الحزب” تسليم كل سلاحه ولا سيما في شمال الليطاني معتبراً أن اسرائيل لا تزال تحتل بعض الأراضي اللبنانية، وهذا ما يُذكّرنا بمسألة من أتى أولاً الدجاجة أم البيضة؟
لكن جوهر الأزمة أن الجانبين أي اسرائيل و”الحزب” لا يثقان بالجيش اللبناني الذي أدّى واجبه وانتشر في معظم القرى الجنوبية الحدودية، وهو مدعوم دولياً ومحلياً، وأكد رئيس الجمهورية جوزاف عون أنه قادر على تحمّل مسؤولياته، ويجب على اسرائيل الانسحاب فوراً من لبنان.
ولا يُخفى على أحد أن الإلتباس الذي يحصل حول تفسير اتفاق وقف إطلاق النار سببه بعض النقاط الغامضة فيه، وخصوصاً اعطاء اسرائيل حق التدخل العسكري أحياناً وربما الاتفاق السري الذي يربط بين تل أبيب وواشنطن في ما يخص لبنان.
لذلك لا تعتبر اسرائيل، وفق معطيات أميركية، أنها تتجاوز وقف اطلاق النار بمحافظتها على خمس نقاط استراتيجية في الجنوب اللبناني، وتشير المعطيات إلى أن اسرائيل بحاجة إلى البقاء في هذه النقاط في الوقت الحالي للدفاع عن المواطنين الاسرائيليين القاطنين في المستوطنات الشمالية، والتأكد من اكتمال عودتهم إلى قراهم وتأمين حمايتهم قبل أن تسلّم هذه النقاط للجيش اللبناني، وهي تعتبر هذه الخطوة منسجمة مع آلية اتفاق وقف إطلاق النار.
أما الدولة اللبنانية ممثلة بالرئيس عون والحكومة مجتمعة فتعتبر ذلك انتهاكاً للإتفاق، وأكّد ذلك المتحدث باسم مكتب عون، لافتاً إلى أن لبنان سيعتبر أي وجود إسرائيلي متبقٍ على أراضيه احتلالاً، وأن لبيروت الحق في استخدام كل الوسائل لضمان الانسحاب الكامل، وفُهِمَ من ذلك أن لبنان سيستخدم الوسائل الديبلوماسية لتحرير هذه النقاط.
ولا شك في أن النقاط الخمس التي تتمركز فيها القوات الاسرائيلية هي استراتيجية، فجل الدير مثلاً، جنوب عيترون، قضاء بنت جبيل، تقابل بلدتي أفيفيم والمالكية الاسرائيليتين.
جبل بلاط: يقع بالقرب من رامية في قضاء بنت جبيل، ويطل على الساحل الجنوبي من صور إلى الناقورة، كما يطل على بلدتي شتولا وزرعيت الاسرائيليتين.
لبونة/علما الشعب: تقع في قضاء صور، وتطل على الساحل والمنطقة البحرية إلى الغرب، فضلاً عن كونها على مقربة من قرى حدودية في قضاء صور إلى الشرق. تعتبر هذه النقطة استراتيجية على البر والبحر وتطل على مقر قوات “اليونيفيل” في الناقورة. كما تقع مقابل بلدة اللبونة الاسرائيلية.
كما تحتل إسرائيل موقعاً عسكرياً تم تشييده مؤخراً على طول طريق مركبا-حولا، في قضاء مرجعيون، والذي يواجه بلدات مرغليوت الاسرائيلية.
أما تل الحمامص فيقع بالقرب من الخيام، أيضاً في قضاء مرجعيون، ويطل على قرية الخيام ومعظم منطقة حاصبيا حتى إبل السقي. كما يواجه بلدة مرغليوت الاسرائيلية.
ويبدو واضحاً من المعطيات الأميركية أن كل المواقع الاسرائيلية داخل لبنان قريبة من المدن في إسرائيل. وقد تم اختيار هذه المواقع لارتفاعها، ما يوفر “مشهداً واسعاً للأراضي اللبنانية”.
لكن مصادر حكومية لبنانية تعتبر أن اتفاق وقف إطلاق النار الأصلي يعتمد كلياً على انتشار الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل” في المناطق لضمان عدم وجود “الحزب” عسكرياً، ومع ذلك فإن إسرائيل لن تسمح للجيش و”اليونيفيل” بالقيام بذلك. وتزعم أن الجيش اللبناني غير قادر بعد على القيام بذلك، فيما الجيش أكد مراراً وتكراراً أنه مستعد لتحمّل مسؤولياته والانتشار في كل أرجاء جنوب الليطاني. ولديه ما لا يقل عن 6500 إلى 7000 جندي متمركزين في الجنوب، وهو العدد الكافي للسيطرة على المواقع التي تم إخلاؤها.
وورد لنا من خلال معطيات أميركية أن اسرائيل لم تحدد مهلة للإنسحاب من هذه النقاط، وخصوصاً أنها مواقع مرتفعة وتتميز بأهميتها التكتيكية، بحيث يسمح ارتفاعها للقوات الاسرائيلية بمراقبة المناطق المحيطة والسيطرة عليها من خلال المراقبة المباشرة والقوة النارية. فيما يرى مصدر عسكري لبناني أن اسرائيل تهدف إلى إنشاء منطقة عازلة من خلال الاستيلاء على الأراضي في الجنوب، لكنها ليست منطقة عازلة تقليدية بل “منطقة ميتة”، لأنها أصبحت غير صالحة للسكن من خلال التدمير المتعمّد.
وتشير المعطيات الواردة من الولايات المتحدة إلى أن اختيار لبنان الرسمي الوسائل الديبلوماسية لحل المسألة يدلّ على حكمة وحسن تقدير من العهد الجديد في لبنان، وبذلك لم تعطِ الحكومة اللبنانية إسرائيل ذريعة لتمزيق وقف إطلاق النار، وخصوصاً أن لديها دعماً كبيراً من إدارة ترامب.
يستبعد بعض الأميركيين المطلعين على الوضع اللبناني أن يجازف “الحزب” بالرد على اسرائيل نتيجة تمسّكها بالنقاط الخمس، ولو كان يعتبر أن لديه أسباباً منطقية لفعل ذلك لأن هذه المناطق أصبحت محتلة. وربما قد يستخدم تجمّعات حاشدة للأهالي كي يشكّل ضغطاً على الدولة اللبنانية للإسراع في تحرير الأراضي.
الا أن اسرائيل لن تنسحب منها، مهما كان الثمن، حتى تتأكد من خلو جنوب الليطاني من وجود عناصر لـ”الحزب”، وانتشار الجيش اللبناني فيها على نحو كامل مع إحكام قبضته.


