مستقبل “الحزب” بعد تشييع “السيد” (٢/٢)

زياد سامي عيتاني

مع الجهود الجبارة والمضنية التي يبذلها “حزب الله” لأن يكون تشييع الشهيد حسن نصر الله حاشداً وغير مسبوق، لا يمكن إغفال حدث التشييع بأنه سيختتم حقبة سياسية، وستبدأ بعده حقبة مختلفة، إذ إن الحزب يريد التشييع بمثابة إستفتاء، ليكون رداً “شعبياً” على جماهيريته ومرجعيته السياسية والدينية لغالبية شيعة لبنان، رداً على كل من يتحدث عن تراجع موقعه وشعبيته، مستثمراً الحدث الجلل في هذا الاتجاه. فالحزب يريد من خلال التشييع التأكيد أن الحرب الأخيرة لم تصبه في الصميم، خصوصاً وأن الجرح ما زال ساخناً وما زال الجيش اللبناني وفرق الدفاع المدني ينتشلون جثامين الشهداء الذين بقوا أشهراً تحت الأنقاض، ما يزيد من شد عصب حاملي الرايات الصفر، ليوم تشييع أهم زعامة ومرجعية شيعية سياسية وعقائدياً في تاريخ لبنان.

بالتأكيد يريد الحزب تأمين حشد تاريخي للتشييع استثماراً للمناسبة في السياسة اللبنانية وتجاه مختلف فرقائها أولاً، وفي تثبيت شعبيته في الطائفة ثانياً، وهو ما سيظهر في كلمة الأمين العام الشيخ نعيم قاسم وفي المواقف السياسية التي ستظهر تباعاً بعد التشييع. لكن على قيادة الحزب “الانتقالية” أو التي سيعاد تشكيلها أن تدرك أن الحشود التي ستتوافد إلى “مدينة كميل شمعون الرياضية”، ستكون مبايعة “للسيد” باعتباره أصبح “رمزاً مقدساً” لمحبيه وأنصاره، حتى قبل أن يقضي في حرب رفع لها شعار مساندة غزة في الحرب الوحشية التي تشنها عليها إسرائيل، وبالتالي سيكون “استفتاءً” على الولاء لنصر الله كرمز “مرجعي”، وليس على شعبية الحزب وقيادته الحالية أو المستقبلية. فبعد التشييع لن يكون كما قبله، الحزب (الذي يجد نفسه محاصراً ومستهدفاً) سيحاول استعادة هيبته وسطوته، مستنداً إلى قوة تمثيل شعبي. فهل يكون خطاب الحزب أثناء التشييع وبعده عالي النبرة أو أنه سيسلم تسليماً سهلاً بالأمر الواقع؟

في الواقع عندما تنتهي مراسم التشييع سيكون على الحزب مواجهة واقع معقد وأسئلة صعبة تبدأ بعلاقاته السياسية الداخلية ولا تنتهي بالواقع الصعب الذي خلفته الحرب في بيئته وفي الوسط الشيعي عموماً. لقد أكدت الوقائع أن الرهان على “محور المقاومة”، رهان خارج المتوقع، فلا هو تمكن من حماية لبنان، ولا هو حمى “سيد” المقاومة وقادتها وكوادرها وبيئتها، فضلاً عن أن مشروع تحرير فلسطين من غزة ولبنان جعل الدمار واسعاً من دون قدرة على تحرير متر واحد من فلسطين، لا سيما مع إمعان العدو الصهيوني في الإبقاء على خمسة مراكز إستراتيجية خلال إحتلاله للقرى الحدودية، إضافة إلى إصراره وبدعم أميركي غير محدود، (في ظل العصا الأميركية وخصوصاً بعد عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض)، على تفكيك البنية التحتية العسكرية للحزب جنوب الليطاني ومنعها من التسلّح واستعادة القوة في كل لبنان.

في موازاة ذلك، سيسأل المتضررون (من بيئة الحزب) عن التعويضات عن الأضرار في الجنوب والضاحية والبقاع وبيروت، وهي هائلة وتفوق قدرته وقدرة الدولة اللبنانية بالطبع، وكذلك تفوق قدرة الدعم الايراني (إن أتى)، خصوصاً وأن المعطيات حتى الآن لا تشير إلى التزام أحد إعادة الإعمار إلّا الدولة اللبنانية بكلام غامض عن مسؤوليتها عنه من دون تحديد أطر هذه المسؤولية وأدواتها، على الرغم من عدم القدرة على تمويل الإعمار الذي يقدر ببضعة مليارات، فضلاً عن الاتجاه الغالب لدى القوى المناوئة للحزب والتي لا تحبذ تدفيع اللبنانيين فاتورة دمار وتقول إن “الحزب اتخذ القرار من دون الرجوع إلى الدولة”.

على الرغم من كل ذلك، فهذا لا يعني أن الحزب الذي إنكسر إقليمياً، قد إنكسر داخلياً، وبالتالي فإن الهزيمة التي تكبّدها في حربه الأخيرة مع إسرائيل لا تنسحب على مكانته في الداخل اللبناني، خصوصاً مع إستعراض قوته الشعبية خلال تشييع أمينيه العامين السابقين، ولكي يحافظ على تلك الشعبية وتلك المكانة، (على الرغم من أن شرائح واسعة ممتعضة من “مغامرته” الأخيرة وما رتّبته عليها من خسائر)، ليس أمامه سوى أن يكون حاسماً في استحقاقات الانتخابات من أجل شدّ عصبه واستنهاض نفسه شعبياً وسياسياً، وما الانتخابات النيابية المقبلة إلا بمثابة ردّ سياسي من الحزب تجاه خصومه حول مسألة التحجيم والخسارة، إذ يكفيه أن يطرح سردية استهداف مكانة الشيعة ليعيد ترتيب وضع شعبيته بينهم، لذك فإن الحزب سينكب في المرحلة القادمة على الإستعداد والتحضير إنتخابياً للتمكن من تثبيت كتلته النيابية الحالية للإبقاء على النفوذ البرلماني، بما يعنيه ذلك من حجم تمثيل يبقيه في صلب المعادلة السياسية اللبنانية.

وعليه، فإن المرحلة المقبلة هي مرحلة اعادة التنظيم داخل الحزب، وانتاج قياداته السياسية والتنظيمية وهيكلتها، بعدما تم القضاء على “الصف الأول” من قيادته العسكرية، وبالتالي التركيز على “مركزية” قراره، وتفويت الفرصة على أي إنشقاقات أو صراعات داخلية، في ظل الاختلافات في وجهات النظر والمقاربات لظروف الحرب الأخيرة ونتائجها، والبرنامج السياسي المستقبلي له، بعد إجراء عملية نقد ومراجعة ذاتية، للتمكن من الإمساك بالقرار الشيعي السياسي.

لا يمكن تحقيق ذلك في حال لم يكن هناك استقرار سياسي وهذا ما سيسعى اليه في المرحلة المقبلة، الأمر الذي يحتم على الحزب الاستمرار في سياسة “الهدوء الحذر” في الملفات الداخلية وعدم الذهاب الى إشتباك سياسي. الحزب لكي يتمكن من المحافظة على إستقراره الداخلي، عليه أن يحافظ على الاستقرار السياسي في البلاد، وهذا مرهون بإحتكامه الى المنطق والتعقل، بعيداً عن المغامرة، بعدما ولىّ زمن المكابرة والاستقراء.

شارك المقال