عندما مرحلت اسرائيل اتفاق أوسلو مع الزعيم الراحل ياسر عرفات، أخذت ما تريد من الفلسطينيين في المرحلة الأولى، وتركتهم يدورون في حلقات مفرغة، أي طبقت استراتيجية “تدويخ الفلسطينيين”.
الآن يقف الفلسطينيون على أبواب المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة وتبادل الأسرى مع إسرائيل، بعدما انتهت آخر عملية تبادل للمرحلة الأولى من اتفاق الهدنة. ويبدو أن المرحلة الثانية ستكون مليئة بالألغام، وترافقت مع تصريحات بنيامين نتنياهو وفريقه الفاقعة عن الرغبة في العودة الى القتال، لاستكمال ما بدأوه من تدمير لقطاع غزة وتنفيذ مشروع التهجير، الذي بدأ كتسريبات إعلامية بعد السابع من أكتوبر، إلى أن تحول إلى مشروع مركزي معلن للحكومة الاسرائيلية بعد أن تلقى ريح إسناد قوية من دونالد ترامب.
وشدد نتنياهو، في كلمة مسجلة أمام مؤتمر لجنة الشؤون العامة الأميركية الاسرائيلية (إيباك)، على أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق “نصر كامل” في الحرب، بما يشمل تحقيق أهدافها المعلنة للحرب على غزة. وقال إن الحرب الحالية هي “بين الحضارة والهمجية، والحضارة ستنتصر”، مضيفاً: “عندما أتحدث عن النصر، فإنني أقصد النصر الكامل، هذه هي غايتنا ولن نرضى بأقل من ذلك”.
وأشار نتنياهو إلى أن إسرائيل تعمل على تحقيق أهدافها بالكامل، والتي تشمل “القضاء على حماس، واستعادة جميع الرهائن، وضمان ألا تشكل غزة تهديداً لاسرائيل في المستقبل، وعودة جميع مواطنينا إلى منازلهم في الجنوب والشمال بأمان”.
لم يكتفِ نتنياهو بالاعلان عن رغبته في العودة الى الحرب، بل قام بإجراء تغييرات على طبيعة الوفد الاسرائيلي المفاوض للمرحلة الثانية، والتي نظرت اليها عائلات الأسرى الاسرائيليين على أنها صواعق لتفجير المفاوضات وإفشالها، بحيث قام نتنياهو بتعيين وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، رئيساً للوفد بدلاً من رئيس الموساد دافيد برنياع، وتحييد دور رئيس الشاباك رونين بار ما يعني عملياً عزل المؤسسة الأمنية الداعمة لاستكمال مراحل الصفقة بشقيها الأول والثاني، بوصفها التزاماً أخلاقياً تاريخياً من دولة إسرائيل، لمدنييها وجنودها، لصالح تيار بتسلئيل سموتريش وايتمار بن غفير، الذي عارض بشدة اتفاق التهدئة .
الشروط التي يضعها نتنياهو لاستكمال تنفيذ المرحلة الثانية، تكاد تكون مستحيلة لحركة “حماس”، لأنها تعني أنه يطلب منها التوقيع على وثيقة استسلامها، وأن تسدل الستارة على حكمها لقطاع غزة وتسليم سلاحها، أو يهددها بالمضي قدماً في مشروع التهجير، تحت لافتة إعادة تعمير قطاع غزة المدمر.
هذه المرة أيضاً، نتنياهو لا يريد التوصل الى مخرج كما نهايات الحروب السابقة، والأخطر أنه لا ينتظر استسلام حركة “حماس”، ففي استسلامها ينتهي مبرر الحرب والتهجير لأهالي قطاع غزة، ويبدأ مشروع مارشال العربي، لعودة الحياة الى غزة وإعمارها كما حدث في ألمانيا واليابان، والذي تحاول مصر والدول العربية، بلورته وعرضه على البيت الأبيض، في سباق محموم مع المخططات الاسرائيلية التي تهدف إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم. تلك المخططات ليست رهينة للتيار المتشدد داخل الحكومة والمجتمع الاسرائيلي وحسب، بل كشفت استطلاعات رأي بأن 72% من الاسرائيليين يؤيدون خطة الترانسفير لتهجير الفلسطينيين من القطاع .
ولكن هل يمكن أن يتوقف نتنياهو عند المرحلة الأولى ويترك ما تبقى من العسكريين؟ تلك معضلة كبيرة ستظهره بأنه تخلى عن جنوده وسط المعركة وهذه جريمة كبيرة لا يحتملها الشارع الاسرائيلي الذي عاش لحظات الفرح، بعد استعادة جزء من الأسرى المدنيين الأحياء في إطار المرحلة الأولى من إتفاق التهدئة مع حركة “حماس”.
وهذا ما دعا نتنياهو الى البحث عن مخارج تتوافق مع “منطقة الراحة الخاصة به” والتي تتعلق بالمماطلة والتسويف في تأجيل القرارات وتمديد الوقت والمرحلة الأولى لاستعادة الجنود الأحياء على الأقل ومن ثم تخريب المرحلة الثانية، وفي مخططه يكون قد نجح في تجريد “حماس” من أقوى أوراقها، وهي الأسرى ومن ثم العودة الى القتال .
نتنياهو أيضاً لا يريد أن يرى السلطة الفلسطينية تحكم غزة. ولكن هناك من يعتقد في تل أبيب، أنه إذا لم توجد بديلاً فإن من كان يحكم قبل الحرب سيستمر في الحكم بعد الحرب، وهذا ينطبق على “حماس” في غزة.
وتقول المحللة الاسرائيلية آنا براسكي: “بعد ثلاثة أشهر من السابع من أكتوبر، دعا نتنياهو، تحت ضغط شديد من إدارة جو بايدن، المجلس الوزاري الأمني والسياسي الى مناقشة ما لم يكن بايدن يرغب في مناقشته، وهو يوم ما بعد حماس في قطاع غزة، ولكن الآن الوضع تغير في الموضوع ذاته، فقد حدث العديد من الأمور: اختفى كل أولئك الذين حاولوا إقناع نتنياهو بأنه لا بديل لحماس في غزة إلا السلطة الفلسطينية بطريقة ما أو بأخرى.. يتابع يوآف غالانت جلسات المجلس الوزاري من صالون منزله، ويعبّر بيني غانتس وغادي إيزنكوت عن رأيهما كعضوين في الكنيست من المعارضة، بينما كبير مؤيدي استبدال حماس لتحلّ مكانها السلطة الفلسطينية، وزير الخارجية في إدارة بايدن، أنتوني بلينكن، لم يعد موجوداً، ولكن هناك عاملان ثابتان بقيا في المعادلة: نتنياهو في مكتب رئيس الحكومة، وحكم حماس في غزة”.
لكن في المقابل، لا تزال حركة “حماس” تطالب بوقف تام للحرب، وبانسحاب كامل للجيش الاسرائيلي من القطاع، وإطلاق أعداد كبيرة من الأسرى الفلسطينيين من ذوي الأحكام العالية، مقابل استكمال المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، وترفض بصورة قاطعة، خروجها النهائي من مشهد الحكم في قطاع غزة .
غير أن حركة “حماس” تدرك أنها لا يمكن أن تبقى في السلطة في غزة بصورة فاقعة، ولهذا السبب اكتسبت فكرة تشكيل لجنة مدنية لحكم القطاع زخماً في الآونة الأخيرة، وأثارت مؤشرات إلى أن “حماس” تظهر علامات مرونة في قضية موطئ قدم السلطة الفلسطينية في اللجنة المدنية المقترحة، قلق المستوى السياسي في تل أبيب، الذي بات يرى أنه لا وجود لاتفاق كامل حتى الآن على من يحكم غزة، ولكن هناك ديناميكية، ولا ينبغي الاستهانة بها، بحيث إن الخلاف بين “حماس” والسلطة الفلسطينية أصبح يتركز على مسألة ما إذا ستكون اللجنة المدنية رسمياً غير تابعة لأحد، كنوع من الحكومة المؤقتة، أو إذا ما ستكون تابعة للسلطة الفلسطينية، بحيث ستعترف بسلطتها في قطاع غزة.


