في ظل التغيرات السياسية المتسارعة التي يشهدها العالم العربي، تبرز القمة العربية المزمع عقدها في مصر، كمنعطف حاسم لتنسيق المواقف بين الدول العربية بشأن القضايا المصيرية التي تواجه المنطقة. وتكتسب القمة ومكان انعقادها أهمية خاصة، نظراً الى ما تمثله مصر من ثقل سياسي واستراتيجي في المنطقة، ودورها المحوري في قيادة العمل العربي المشترك. تأتي هذه القمة في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات جسيمة، أبرزها الحروب الاسرائيلية التي تهدف إلى فرض شرق أوسط جديد وفقاً لتعبير بنيامين نتنياهو، كما تشكل الطروح الأميركية عاملاً قد يؤدي إلى مزيد من التوترات وعدم الاستقرار، خصوصاً في ظل سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي طالب بتهجير الفلسطينيين الى كل من مصر والأردن.
إن انعقاد القمة العربية في مصر يضفي عليها أهمية خاصة، بحيث تتمتع القاهرة بمكانة تاريخية في قيادة الديبلوماسية العربية، وكانت دائماً في طليعة الجهود الرامية إلى حل النزاعات الاقليمية وتعزيز التضامن العربي. ومن هذا المنطلق، فإن هذه القمة تُعد فرصة مهمة للدول العربية لإعادة ترتيب أولوياتها، وتوحيد صفوفها لمواجهة التحديات المشتركة، وعلى رأسها المخاطر التي تشكلها السياسات الاسرائيلية المدعومة من الادارة الأميركية.
كما تكتسب القمة أهميتها في ظل الظروف الراهنة استناداً الى نقاط رئيسية:
– التنسيق العربي المشترك: تمثل القمة فرصة للدول العربية لتوحيد مواقفها بشأن القضية الفلسطينية، خصوصاً في ظل محاولات إسرائيل فرض وقائع جديدة على الأرض بعد حربها على غزة من خلال طروح إبعاد الفلسطينيين الى دول عربية.
– رفض المخططات الاسرائيلية: توفر القمة منبراً لإصدار موقف عربي واضح ضد السياسات الاسرائيلية، وإيصال رسالة قوية الى المجتمع الدولي حول الرفض القاطع لأي مشاريع تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية.
– التعامل مع السياسات الأميركية: تشكل القمة فرصة لمناقشة الطروح الأميركية التي تبناها الرئيس دونالد ترامب، وطلبه من مصر والأردن توطين الفلسطينيين على أراضيهما.
وهنا لا بد من الاشارة الى أن السياسات الاسرائيلية تمثل تحدياً كبيراً للأمن والاستقرار في المنطقة، حيث تسعى إسرائيل إلى تحقيق أهدافها التوسعية من خلال فرض الأمر الواقع، مستغلة الدعم الأميركي غير المسبوق في عهد ترامب وسلفه جو بايدن. ومن أبرز هذه المخططات:
– محاولات ضم الضفة الغربية: تعمل إسرائيل بشكل مكثف على بناء مستوطنات جديدة وتوسيع المستوطنات القائمة، في محاولة لفرض واقع ديموغرافي جديد يعوق أي إمكان لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، بل أكثر من ذلك في مسعى لضم الضفة الى إسرائيل.
– تهويد القدس: تسعى إسرائيل إلى تغيير الطابع الديموغرافي والثقافي للقدس الشرقية، من خلال طرد الفلسطينيين وهدم منازلهم، بالاضافة إلى محاولات السيطرة على المسجد الأقصى وتقويض الوجود الاسلامي والمسيحي في المدينة.
– فرض السيادة الاسرائيلية على غور الأردن: تحاول إسرائيل ضم غور الأردن، الذي يشكل منطقة استراتيجية، ما يؤدي إلى تقليص الأراضي الفلسطينية بشكل كبير، كما تبرز محاولات تهجير الفلسطينيين الى الأردن.
كما تقتضي الاشارة الى أن فترة حكم الرئيس ترامب الأولى شهدت العديد من القرارات التي كانت تصب في مصلحة إسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية والعربية، وكان أبرزها:
– نقل السفارة الأميركية إلى القدس: في عام 2018، أعلن ترامب نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، في خطوة اعتُبرت انتهاكاً صارخاً للقرارات الدولية التي تعتبر القدس الشرقية أرضاً محتلة.
– الاعتراف بالسيادة الاسرائيلية على الجولان: في 2019، أعلن ترامب اعترافه بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة، في تحدٍ واضح للقرارات الأممية.
– صفقة القرن: كشف ترامب عن خطته للسلام المعروفة بـ “صفقة القرن”، التي تضمنت تنازلات كبيرة من الجانب الفلسطيني، من دون تقديم ضمانات حقيقية لحقوق الشعب الفلسطيني.
في ظل هذه التحديات، يصبح من الضروري أن تخرج القمة العربية في مصر بموقف حازم وموحد تجاه السياسات الاسرائيلية والطروح الأميركية المنحازة، وآخرها تصريحات الرئيس ترامب الخطيرة، التي تؤشر الى أن ولايته الثانية قد تكون أخطر على القضية الفلسطينية مقارنة بما خرج به من قرارات ضمن فترته الأولى.
وهنا تمثل القمة العربية في مصر محطة محورية في مسار العمل العربي المشترك، خصوصاً في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه القضية الفلسطينية. إن توحيد الموقف العربي واتخاذ قرارات قوية وفاعلة هما السبيل الوحيد لمواجهة المخططات الاسرائيلية والطروح الأميركية التي تهدد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. فمن دون موقف عربي موحد، ستستمر إسرائيل في فرض سياساتها التوسعية، ما يجعل من الضروري تعزيز العمل العربي المشترك لمواجهة هذه التحديات بكل حزم ووضوح.


