ماذا لو فشلت الأسلحة النووية في الردع؟

حسناء بو حرفوش

استعرض مقال في موقع “فورين أفيرز” محدودية الردع النووي في مواجهة الهجمات من دول غير نووية، على الرغم من امتلاك الدول النووية لترسانة ضخمة. وأشار المحلل بول آفي، الأستاذ المشارك في العلوم السياسية بجامعة فرجينيا للتكنولوجيا إلى أن روسيا لم تتمكن على الرغم من التهديدات النووية من منع أوكرانيا من تنفيذ ضربات داخل الأراضي الروسية أو من السيطرة على أجزاء من منطقة كورسك. وبالمثل، لم تردع القدرات النووية الاسرائيلية إيران عن شن هجمات صاروخية.

وأوضح المقال أن الأسلحة النووية أثبتت فعاليتها في منع الحروب الكبرى بين الدول النووية، كما حدث خلال الحرب الباردة، ولكنها لم تكن فاعلة بالقدر نفسه في ردع الدول غير النووية. فتكلفة استخدام الأسلحة النووية، سواء من حيث الدمار الهائل أو العواقب السياسية والديبلوماسية، تدفع الدول النووية الى التردد في استخدامها ضد خصومها غير النوويين.

ووفقاً للمقال، “تحدت الحروب الأخيرة وجهة النظر التقليدية للردع النووي، التي تفترض أن امتلاك السلاح النووي يمنع أي هجوم خوفاً من الانتقام المدمر. فمنذ الغزو الروسي لأوكرانيا، لم تردع ترسانة روسيا النووية الضخمة ولا تهديدات الرئيس فلاديمير بوتين أوكرانيا عن شن هجمات على القواعد العسكرية الروسية، بل وحتى موسكو. كما فشلت القدرة النووية الاسرائيلية في منع إيران من شن هجمات صاروخية ضدها عام 2024. وبالمثل، تعرضت باكستان النووية لهجمات إيرانية ضد جماعة مسلحة على أراضيها. في كل هذه الحالات، لم يكن السلاح النووي كافياً لردع الهجمات.

وفي الاشارة الى استخدام الأسلحة النووية مخاطر هائلة، ليس من حيث التدمير الشامل وحسب، ولكن أيضاً العواقب السياسية والديبلوماسية التي قد تترتب على ذلك. وتواجه الدول النووية عقبات هائلة عند التفكير في استخدام هذه الأسلحة، حتى ضد خصوم غير نوويين. فالتدمير الناتج عن ضربة نووية قد يكون غير متناسب مع الهدف العسكري المقصود، ما يضر بمصالح الدولة نفسها. كما أن تداعيات الإشعاع والتلوث البيئي قد تؤثر سلباً على الدولة المهاجمة نفسها أو حلفائها.

وفي السابق، نظر المسؤولون الأميركيون في استخدام الأسلحة النووية خلال حرب فيتنام، لكنهم تراجعوا بسبب العواقب الكارثية المحتملة. وكذلك، حين اخترقت القوات الأوكرانية الدفاعات الروسية عام 2022، درس القادة العسكريون الروس احتمال استخدام النووي، لكن لم يتخذوا خطوات جدية في هذا الاتجاه. أما السبب الرئيسي وراء هذا التردد فهو أن استخدام السلاح النووي لم يكن ضرورياً للبقاء على قيد الحياة أو للحفاظ على الجيش.

الردع بين القوى النووية

وتنسحب هذه الاعتبارات على الردع بين القوى النووية أيضاً. فعندما تمتلك دولتان نوويتان القدرة على تدمير بعضهما البعض، يصبح خطر التصعيد النووي عاملاً رئيسياً في تجنب الحرب. في المقابل، تجد الدول غير النووية مساحة أكبر للعمل من دون خوف من الرد النووي. على سبيل المثال، عندما دعمت الصين كوريا الشمالية في الحرب الكورية، سعت الى الحصول على غطاء جوي سوفياتي لردع أي هجوم نووي أميركي محتمل. وفي حرب أكتوبر 1973، حددت مصر وسوريا نطاق عملياتهما العسكرية لتجنب استفزاز إسرائيل إلى درجة التصعيد النووي.

أما في الحرب الأوكرانية، فتجنبت روسيا استخدام السلاح النووي على الرغم من الخسائر التي تكبدتها، وفضلت الرد عبر الوسائل التقليدية مثل القصف المكثف والبنية التحتية العسكرية. في المقابل، امتنعت الولايات المتحدة ودول الناتو عن التدخل المباشر في أوكرانيا، على الرغم من تقديمها مساعدات عسكرية كبيرة لكييف. وهذا يعكس نمطاً متكرراً: القوى النووية تتنافس بشدة، لكنها تمتنع عن مواجهة مباشرة قد تؤدي إلى تصعيد نووي كارثي.

التوازن الهش بين القوى النووية

ويُظهر التاريخ أن الدول النووية نادراً ما تخوض حروباً مباشرة مع بعضها البعض. فحتى في حرب الكارجيل عام 1999 بين الهند وباكستان، والتي كانت استثناءً نادراً، بقي النزاع محدوداً بسبب الخوف من التصعيد النووي. وهذا يؤكد أن امتلاك الأسلحة النووية يفرض قيوداً صارمة على السلوك العسكري.

إن نظرية “السلام الديموقراطي”، التي تفترض أن الديموقراطيات لا تخوض حروباً ضد بعضها البعض، لها نظير نووي: الدول غير النووية غالباً ما تشتبك مع القوى النووية، لكن الدول النووية نفسها نادراً ما تتقاتل. على هذا الأساس، يبقى احتمال اندلاع حرب بين القوى النووية الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا أو الصين ضئيلاً، على الرغم من تصاعد التوترات الجيوسياسية.

دروس وعبر للمستقبل

على الرغم من محدودية البيانات التاريخية حول استخدام الأسلحة النووية في الحروب، إلا أن الدروس واضحة: الترسانات النووية تمنع الحروب بين القوى الكبرى، لكنها ليست فاعلة في ردع النزاعات مع الدول غير النووية. لذلك، تحتاج الدول النووية إلى أدوات تقليدية أكثر كفاءة لمواجهة هذه التهديدات، بدلاً من الاعتماد على الخوف من استخدام أخطر أسلحة العالم”.

شارك المقال