لا شك في أن عنوان زيارة الرئيس جوزاف عون إلى السعودية وكلمته في الجامعة العربية كانت الحياد الايجابي بعيداً عن المحاور الاقليمية، وحتماً أراحت هذه الرسالة الدول العربية، وشكّلت خاتمة لمرحلة كان فيها القرار الاستراتيجي اللبناني الرسمي في يد “حزب الله” ومرجعيته الايرانية.
ويبدو أن الرئيس عون سيعتمد هذا النهج طوال عهده، ولن يوفّر جهداً في خلق آليات لتنفيذه على الأرض وتكريس احتكار الدولة للسلاح وتحييد لبنان عن حروب الآخرين، وخصوصاً أنه سمع كلاماً واضحاً من المسؤولين العرب عموماً والسعوديين خصوصاً، بأن لا مساعدات إذا لم يترافق كلام الرئيس ونهجه مع خطوات تنفيذية على الأرض، وأهمها حلّ مسألة السلاح غير الشرعي، والمحافظة على القرار الاستراتيجي في يد الدولة اللبنانية فقط.
لكن صحافياً لبنانياً مخضرماً تابع عن كثب جولة عون العربية، كشف أن الرئيس يعرف أن مفهوم الحياد يحتاج إلى توافق داخلي، وبالتالي لا مفر من التفاهم مع كل المكوّنات اللبنانية حول أهمية الحياد أولاً، وإقناع الدول المجاورة للبنان اما مباشرة أو على نحو غير مباشر بأن مصلحتها في هذا الحياد.
طبعاً هذه ليست مهمة عون وحده، إنما الدولة بكامل مؤسساتها أي الحكومة ومجلس النواب، وقد تكون هناك اتفاقيات تاريخية تصبّ في مصلحة لبنان في هذا المجال، وأهمها بروتوكول الاسكندرية بشأن إنشاء الجامعة العربية، وقد اعترفت فيه الدول العربية باستقلال لبنان وفرادته.
وهنا نسأل ما هي هذه الفرادة؟ يجيب الصحافي المخضرم: “الحياد الذي يتوجّب على لبنان أن يعتمده هو تأييد الاجماع العربي حول أي قرار يتخذونه، وعندما يختلفون يلتزم لبنان بتحييد نفسه عن الخلافات”.
لكن مفهوم الحياد يختلف بين الدول التي تعتمده، فسويسرا مثلاً اعتمدت في معاطاتها مع الحرب الأوكرانية الحياد المبني على قيم حقوق الانسان والانسانية، وأخذت موقفاً معنوياً مع أوكرانيا من دون أن تتدخل عسكرياً، حتى أنها لم تشارك في العقوبات على روسيا، وبقيت في الاطار الاخلاقي القيمي حيال قضية أوكرانيا المحقة، كما يُمكن أن يكون لبنان مؤيداً للقضية الفلسطينية المحقة من دون إقحام نفسه في الحروب. أما السويد فاعتمدت الحياد الذي يحفظ عمليات السلام وتُشارك في نشرها، فيما أعلنت مالطا دورها الحيادي في منطقة الشرق الأوسط والدول المحيطة بالبحر المتوسط، وهو الدور الذي كان يفترض بلبنان أن يأخذه.
ويرى الصحافي اللبناني أن لبنان يصلح لأن يكون حياده جامعاً للأديان والمعتقدات كافة، وهو دور حضاري يخوّله أن يكون حافظاً للسلام، وهذا ما يحتاج إلى قبول وتشجيع من الدول العربية المُشاركة في الجامعة العربية.
في المقابل، يتساءل البعض عن واقعيّة هذا الطرح في ظلّ استمرار “حزب الله” في رهانه على المشروع الايراني الذي يتناقض مع الحياد، إلا أن الصحافي المتابع لنهج الرئيس عون، يعتبر أن الأمر ليس بمستحيل، وخصوصاً أن “الحزب” الذي وضع لبنان في خانة المواجهة سابقاً باتت لديه مصلحة في الحياد، انطلاقاً من تغيير النظام في سوريا، ما قد يخلق له مشكلات لا يمكن أن يواجهها، علماً أن البانوراما الجيوسياسية العالمية تغيّرت أيضاً، والحياد أصبح مصلحة لكل المكوّنات اللبنانية ومن بينها للطائفة الشيعية الكريمة، إضافة إلى أن ايران تُدرك أن الأمور تغيّرت أيضاً وقد قُطعت طريق الإمدادات بينها وبين “الحزب”.
يعمل الرئيس عون والرئيس نواف سلام بفطنة كبيرة، وهما يسعيان إلى تعزيز خيار الدولة، بحيث لا يعود لأي مكوّن يريد أن يحلّ مكان الدولة أي تأثير، ولا سيما أن “الحزب” قاد الشيعة إلى مسارات ومغامرات خارج الاطار اللبناني، وبالتالي من المستحسن أن ينخرط في مشروع الدولة، وسياسة عون تحديداً رسمها في زيارته الأخيرة إلى السعودية وكلمته في الجامعة العربية وهي “الحياد الايجابي” والتموضع الطبيعي في الحضن العربي.


