حملت كلمة رئيس الجمهورية جوزاف عون في اجتماع القاهرة معانٍ كثيرة لها دلالاتٌ بعيدة إن كان بالنسبة الى لبنان أو المنطقة العربية، ووصل صداها إلى الجميع مؤيدين ومعترضين، وتطرق فيها الى عناوين عدة، وقد بدأها بالحديث عن الأرض التي لن نتخلى عنها ولن نترك أسرانا ولن يكون هناك سلام من دون تحرير آخر شبر منها. أما عن فلسطين فاعتبر أنها حق وطني وعربي وقومي، وحق إنساني عالمي، وكلما نجحنا في إظهار هذه الأبعاد السامية لفلسطين، نصرناها وانتصرنا معها، وكلما حجّمناها وقزمناها، إلى حدود قضية فئة أو جهة أو جماعة أو محور، وكلما تركنا فلسطين تزج في أزقة صراعات سلطوية هنا، أو نزاعات نفوذ هناك، خسرناها وخسرنا معها، فالبعد العربي لقضية فلسطين، يفرض أن نكون كلنا أقوياء، لتكون فلسطين قوية. فحين تحتل بيروت، أو تدمر دمشق، أو تهدد عمان، أو تئن بغداد، أو تسقط صنعاء، يستحيل لأي كان أن يدّعي، أن هذا لنصرة فلسطين، وهنا يكون الرئيس عون قد وضع الاصبع على الجرح، هذا الجرح الذي يعتبره البعض حقاً، ويراه كثيرون جرحاً نازفاً لا يمكن أن يفيد فلسطين بشيء، بل على العكس يزيدها وجعاً وقهراً، ولا تقف حدوده عند فلسطين بل يتخطاها ليصبح أذىً لكل دول المنطقة، فمن يأخذ فلسطين الى محور يأخذ المنطقة الى حروب دائمة لا تتوقف والى مطامع ومصالح ضيقة لا تريد الخير لا لفلسطين ولا للمنطقة.
نعم وألف نعم لرفض حروب الآخرين على أرض لبنان وهو تعب منها أصلاً، وهذا مطلب أساسي أكد عليه الرئيس عون أمام الوفد الايراني، ولهذه الأسباب مجتمعةً شُنت عليه حملة وصدرت عدة تعليقات مستغربة ومستهجنة، لكن لو تركوا لأنفسهم فرصة للتفكير في كل ما قاله، لأجمعوا على الاشادة بهذا القول الصائب والدقيق، لسبب واضح أننا في لبنان والمحيط نمر بمرحلة صعبة وحساسة جداً على الجميع التنبه ولمخاطرها.
هي مرحلة لم يعد باستطاعة أحد اللحاق بتسارع أحداثها كما لم يعد بمقدور أحد استيعاب مخاطرها، من هنا وانطلاقاً من كلام رأس الدولة، علينا النظر الى هذه الأحداث ومجرياتها وتأثيراتها الصعبة على لبنان، وفي الوقت عينه يتوجب علينا حماية لبنان من كل ما يحيط به من تطورات، كما علينا تحصينه داخلياً لما لهذه التطورات من انعكاسات سلبية عليه. فما يجري في سوريا لا بد من التنبه له كثيراً، وما تقوم به إسرائيل علينا أن لا نقع في فخه، فهي بأطماعها تسعى الى جر المنطقة ومن ضمنها بالتأكيد لبنان الى أمور لا تحمد عقباها، ولهذا وجب على جميع الأطراف التعقل والحكمة والنظر الى كلام الرئيس عون بإيجابية وانفتاح، لا الرد عليه بحملات عشوائية وغير مدروسة والأكيد أنها لن تأتي بنتيجة لا بل تعقد الوضع زيادة.
علينا جميعاً أن نرتب أوراقنا جيداً ونجهز ملفاتنا لتكون حاضرة للوقت المطلوب وندرس خطواتنا كي تكون بالاتجاه الصحيح درءاً للفتنة في الداخل ولإبعاد الأحداث الجسام التي عادت وبقوة ويمكنها أن تطال لبنان في أي لحظة ليكون من جديد ساحة للآخرين على أرضه.


