يعود لبنان إلى صدارة العناوين، ليس بصفته مجرد طرف في معادلة الشرق الأوسط، بل كميدانٍ للصراع بين مشاريع الهيمنة والمقاومة. فبينما تستمرّ تل أبيب في محاولاتها لفرض وقائع جديدة على الأرض، يصرّ “حزب الله” حتى اللحظة على منح الفرصة للديبلوماسية، مؤكداً أن معركته ليست معركة تصعيد بل دفاع عن السيادة الوطنية. غير أن التصريحات الاسرائيلية الأخيرة، وعلى رأسها تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تنذر بمخاطر جمة على استقرار لبنان والمنطقة ككل.
تصعيد إسرائيلي وتهديد مباشر للبنان
أعاد رئيس الوزراء الاسرائيلي إشعال فتيل الأزمات في المنطقة بتصريحات تصعيدية جديدة، أكد فيها أن حكومته لن تتنازل عن السيطرة على خمسة مواقع في الأراضي اللبنانية. ولم يكتفِ بذلك، بل شدد على أن “سياسة إسرائيل العسكرية لا تقتصر على سوريا فحسب، بل تمتد أيضاً إلى لبنان”، ما يشير بوضوح إلى نوايا إسرائيلية توسعية تهدد الأمن الاقليمي.
وفي موقف يعكس النهج الاسرائيلي التقليدي القائم على منطق القوة، قال نتنياهو: “من يهاجمنا أو يفكّر في مهاجمتنا سنهاجمه”. وأشار الى أن إسرائيل لن تتوانى عن استخدام قوتها العسكرية لمنع أي تهديد أمني. ولم يقتصر التصعيد على التهديدات، بل شمل عمليات عسكرية مباشرة، بحيث كشف نتنياهو عن عملية استهدفت مقرّاً لحركة “الجهاد الاسلامي” في العاصمة السورية دمشق.
وفي سياق محاولته إحراج خصومه السياسيين، هاجم نتنياهو زعيم المعارضة يائير لابيد، متهماً إياه بالتنازل عن حقوق إسرائيل أمام “حزب الله”، ومستشهداً بحادثة الطائرة المسيّرة التي حلّقت فوق منصة الغاز في البحر المتوسط. وذهب نتنياهو إلى أبعد من ذلك حين قال: “دخلنا بقوة إلى لبنان ونفذنا عملية البيجر واغتلنا الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله”.
“الحزب” يرد: المقاومة لن تنكسر
ورداً على هذه التصريحات، أكّد مصدر قيادي في “حزب الله”، عبر موقع “لبنان الكبير”، أن المقاومة لا تزال في موقع القوة، على الرغم من كل محاولات العدو لإضعافها. وقال: “إسرائيل اضطرت إلى وقف إطلاق النار في لبنان لأنها كانت بحاجة إلى إعادة تأهيل جيشها، بعد أن تكبّدت قواتها العسكرية خسائر فادحة، خصوصاً بعد يوم الأحد الأسود، حين وصلت الصواريخ إلى تل أبيب، ما دفع العدوالى اللاستنجاد بهوكشتاين والادارة الأميركية لوقف إطلاق النار”.
وأشار المصدر إلى أن المقاومة اللبنانية لم تتوقف يوماً عن لعب دورها الأساسي في حماية لبنان من العدوان الاسرائيلي، بل إنها تمثل أيضاً عنصراً أساسياً في الحفاظ على الأمن القومي العربي من مخططات الاحتلال التوسعية.
وأضاف: “لقد تمكنت المقاومة من إفشال المخططات الاسرائيلية الرامية إلى السيطرة على الأراضي اللبنانية، ما أجبر العدو على التراجع وطلب الوساطة الدولية لإنهاء المواجهات. الحقيقة أن إسرائيل لم تستطع كسر المقاومة، بل إنها واجهت هزائم متتالية على يد أبطال المقاومة الذين أثبتوا أن لبنان قوي بشعبه ومقاومته”.
مشروع توسعي إسرائيلي بدعم أميركي
وبحسب المصدر، فإن التصعيد الاسرائيلي الأخير يأتي ضمن مشروع أميركي-إسرائيلي أوسع، يهدف إلى فرض هيمنة الاحتلال على المنطقة، من خلال دعم مخططات التوسع والاستيطان. وأكد أن ما يجري اليوم ليس مجرد اعتداءات متفرقة، بل هو جزء من مخطط شامل يسعى إلى توسيع النفوذ الاسرائيلي، ليشمل ليس فلسطين وحسب، بل أيضاً الضفة الغربية وقطاع غزة وأجزاء من سوريا ولبنان وحتى الأردن.
وقال: “لو لم تكن المقاومة اللبنانية حاضرة، لكانت إسرائيل قد وصلت إلى نهر الأولي، وربما أبعد من ذلك، في إطار مشروعها التوسعي”، مشدداً على أن المقاومة ستظل الدرع الحامية للبنان، ولن تسمح بتمرير هذه المخططات مهما كان الثمن.
إلى أين يتجه التصعيد؟
في ظلّ هذا المشهد المعقد، تبقى الأنظار متجهة نحو مستقبل المواجهة بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية. فبينما تواصل تل أبيب سياساتها العدوانية، يبقى “حزب الله” حريصاً على عدم الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، لكنه في الوقت نفسه جاهز لأي سيناريو قد تفرضه الظروف.
لبنان اليوم يقف على مفترق طرق، بين التهديدات الاسرائيلية المستمرة ومحاولات التهدئة التي لا يبدو أن الاحتلال يعيرها أي اهتمام. لكن كما أكد المصدر القيادي في “حزب الله”، فان المقاومة باقية وقوية ولن تنكسر، وستواصل التصدي لأي مشروع توسعي إسرائيلي، حتى تتحقق السيادة الكاملة للبنان، ويُحبط المشروع الصهيوني الذي لا يزال يسعى الى إعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة.


