ميشال عون فتح باب التطبيع قبل أورتاغوس

محمد شمس الدين

لم تكن الحدود اللبنانية – الاسرائيلية يوماً مجرد خطوطٍ جغرافية، بل كانت ولا تزال ساحة صراع ممتد، تتداخل فيها الحسابات الاقليمية والدولية مع المصالح الوطنية، لتجعل من أي تفاوض بين الجانبين، حتى وإن كان تقنياً بحتاً، محفوفاً بالمخاطر والهواجس.

اليوم، تعود هذه الهواجس إلى الواجهة مع الحديث عن تشكيل لجان مشتركة بين عسكريين ومدنيين، في خطوة تثير تساؤلات حول طبيعة الدور الأميركي في هذا المسار، خصوصاً بعد التصريحات التي أطلقتها المبعوثة الأميركية الخاصة بلبنان، مورغان أورتاغوس، والتي لمّحت إلى إمكان حل النزاع الحدودي ضمن إطار أوسع يشمل ما هو أبعد من مجرد الترسيم، إلا أن الأمر ليس جديداً بحيث أثار الرئيس السابق ميشال عون الجدل، عندما أصر على إشراك مدنيين في وفد التفاوض بشأن الحدود البحرية، وقد تحول الموضوع في حينه إلى مادة تجاذب بين عين التينة وبعبدا.

اللجان المشتركة: بين التبرير الرسمي والهواجس

أعلنت الولايات المتحدة أن اللجان التي ستُشكّل لمتابعة ملف الحدود ستضم خبراء عسكريين ومدنيين وتقنيين، مبررةً ذلك بأن المسار الديبلوماسي يتطلب وجود شخصيات مدنية قادرة على إدارة الملفات المعقدة التي لا تقتصر على البعد الأمني والعسكري.

غير أن هذا الطرح يثير مخاوف عدة في الداخل اللبناني، خصوصاً أن المفاوضات مع العدو الاسرائيلي كانت دائماً محصورة بالجانب العسكري، لضمان بقاء التفاوض في إطاره التقني، بعيداً من أي انزلاق سياسي قد يخدم أجندة التطبيع التي تعمل واشنطن وتل أبيب على توسيعها في المنطقة.

هذه المخاوف ليست جديدة، فقد سبق أن أصرّ الرئيس السابق ميشال عون على إشراك مدنيين في وفد التفاوض بشأن الحدود البحرية، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حينها، لا سيما أن العدو الاسرائيلي كان يسعى إلى إدخال شخصيات سياسية وإدارية في وفده، ما أوحى بأن التفاوض قد يتجه نحو مسارات غير تقنية، وهو ما ترفضه القوى اللبنانية الرافضة لأي شكل من أشكال التطبيع.

الدور الأميركي: بين الوساطة والضغط السياسي

تأتي هذه التطورات في ظل تصاعد الدور الأميركي في لبنان، حيث لم تخفِ السفيرة الأميركية السابقة في بيروت، ليزا جونسون، أن المرحلة المقبلة تتطلب “إشارات واضحة” من لبنان، في إشارة إلى أن واشنطن لم تعد تقبل باستمرار الوضع الراهن، بل تريد تغييرات ملموسة في السياسة اللبنانية تجاه إسرائيل.

كما أن جونسون لمّحت إلى أن أي دعم دولي لإعادة إعمار لبنان سيكون مشروطاً بسلوك سياسي معيّن، وهو ما يمكن فهمه على أنه نوع من الضغط الأميركي لدفع بيروت نحو تقديم تنازلات، سواء في ملف ترسيم الحدود أو في مسائل سياسية أخرى تتصل بموقع لبنان في الصراع الاقليمي.

في المقابل، حاولت مورغان أورتاغوس الترويج لفكرة أن السلام هو السبيل لحل النزاعات، مؤكدة أن “إطلاق مجموعات عمل ديبلوماسية ستساعد على حل المشكلات بين لبنان وإسرائيل، مثل قضية الخط الأزرق وغيرها”، وأضافت أنها متفائلة بشأن “اتفاق لحل النقاط الخمس العالقة”.

غير أن هذه التصريحات، على الرغم من طابعها الديبلوماسي، لا يمكن فصلها عن الاستراتيجية الأميركية التي تسعى إلى توسيع دائرة التطبيع في المنطقة، خصوصاً بعد اتفاقيات السلام التي وقّعتها إسرائيل مع دول عربية عدة خلال السنوات الأخيرة.

جدل حول تركيبة الوفد اللبناني

عندما قرر لبنان الدخول في مفاوضات غير مباشرة مع العدو الاسرائيلي لترسيم الحدود البحرية، كان واضحاً أن ثمة خلافاً داخلياً حول تركيبة الوفد اللبناني. ففي حين أصرّ رئيس مجلس النواب نبيه بري و”حزب الله” على أن يكون الوفد عسكرياً بحتاً، اتجه الرئيس ميشال عون إلى إشراك شخصيات مدنية، ما أثار تساؤلات حول الدوافع الحقيقية لهذا القرار.

ضم الوفد اللبناني الذي شكّله عون شخصيات من مجالات متعددة، من بينهم رئيس الوفد العميد الركن الطيار بسام ياسين، والعقيد الركن مازن بصبوص، ووسام شباط من هيئة إدارة قطاع البترول، والخبير الدولي نجيب مسيحي، إضافة إلى المترجمة ميرنا معلوف.

وعلى الرغم من أن سلطة بعبدا حاولت تقديم هذا التشكيل على أنه يعكس طبيعة المفاوضات التقنية، فإن القوى الرافضة للتطبيع اعتبرت أن إشراك مدنيين قد يشكّل مكسباً للكيان الاسرائيلي، الذي يسعى إلى إعطاء المفاوضات طابعاً ديبلوماسياً بدلاً من إبقائها في إطارها الفني والعسكري.

إسرائيل والمراوغة السياسية: استغلال أي ثغرة

لم يكن الكيان الاسرائيلي بعيداً من هذه الجدالات، فقد حاول استغلال أي ثغرة ممكنة لدفع الأمور نحو مسارات تصبّ في مصلحته. فمنذ البداية، حرص على أن يكون وفده مكوّناً بصورة أساسية من ديبلوماسيين ومسؤولين سياسيين وإداريين، مع إشراك ضابط عسكري واحد فقط، وهو ما يكشف رغبته في تحويل المفاوضات إلى مسار سياسي وليس مجرد نقاش تقني حول ترسيم الحدود.

إضافة إلى ذلك، روّج الاعلام الإسرائيلي مراراً لفكرة أن هذه المفاوضات قد تمهّد لتوقيع اتفاق سياسي مع لبنان، وهو ما أثار غضب الأوساط اللبنانية، التي سارعت إلى التأكيد أن هذه المحادثات تقتصر فقط على حل القضايا الحدودية، ولن تذهب أبعد من ذلك بأي حال من الأحوال.

الموقف اللبناني: تمسك بالثوابت رغم الضغوط

على الرغم من الضغوط الدولية والاغراءات الاقتصادية التي قدّمتها واشنطن، لا يزال لبنان الرسمي متمسكاً بموقفه الرافض لأي مسار تطبيعي مع إسرائيل. فقد أكدت القوى السياسية، وعلى رأسها المقاومة، أن أي تنازل في هذا الملف قد يُستخدم لاحقاً لجرّ لبنان إلى اتفاقات أوسع لا تخدم مصالحه الاستراتيجية.

حتى اللحظة، تؤكد بيروت أن المفاوضات ستبقى غير مباشرة، وأنها لن تتعدى الطابع التقني والفني، كما أنها لن تخرج عن إطارها المحدد، مهما حاولت الأطراف الخارجية توجيهها نحو مسارات أخرى.

معركة سياسية في ثوب تفاوض تقني

في الظاهر، قد يبدو ملف ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل مسألة تقنية بحتة، لكنها في الواقع معركة سياسية معقّدة، تتداخل فيها الحسابات المحلية والدولية، وتتخذ أبعاداً أوسع من مجرد خطوط تُرسم على الخرائط.

وبينما تسعى واشنطن وتل أبيب إلى استغلال الوضع اللبناني المتأزم لدفعه نحو تقديم تنازلات، يظل الرهان الأساسي على وحدة الموقف الداخلي، والقدرة على الفصل بين ما هو تقني وما هو سياسي، لضمان عدم انزلاق البلاد نحو تطبيع غير مباشر يُفرض تحت عناوين أخرى.

شارك المقال