لأول مرة منذ سنوات، تلوح وفقاً لمشروع “استراتيجية سوريا” فرصة حقيقية لتعافي البلاد وإعادة اندماجها في النظام الدولي، بحسب تقرير مشترك للمجلس الأطلسي ومعهد الشرق الأوسط والمعهد الأوروبي للسلام، وإذا تبنت الولايات المتحدة وأوروبا ودول الشرق الأوسط والفاعلون الآخرون نهجاً صحيحاً يدعم التحول السياسي، فإن ذلك سيحقق فائدة عالمية وسيساعد السوريين في الوصول إلى السلام. يقدم مشروع “استراتيجية سوريا” مجموعة من التوصيات السياسية الهادفة إلى تحقيق هذا الهدف عبر رؤية شاملة وواقعية.
ويهدف المشروع إلى وضع رؤية استراتيجية شاملة لحل الأزمة السورية بصورة مستدامة، من خلال تفاعل مكثف مع خبراء وصنّاع سياسات في الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط. كما يسعى إلى توفير منصة للمناقشات السياسية العملية والواقعية حول مستقبل سوريا. وقد تم تشكيل مجموعة استشارية استراتيجية تضم خبراء بارزين لتوجيه هذه الجهود، بما يضمن تطوير سياسات قابلة للتنفيذ تسهم في تحقيق تحول مستدام في البلاد. كما ينطوي المشروع على سلسلة مبادرات تهدف إلى تقديم خيارات سياسية تساهم في حل الأزمة وتعزيز مستقبل سوريا كمجتمع مستقر ومزدهر وديموقراطي.
رفع العقوبات عن سوريا
وفي سياق متصل، لفت مقال في موقع “واشنطن بوست” إلى انهيار الاقتصاد السوري وتدهور الوضع الأمني والخطر الحقيقي بأن تتحول سوريا إلى دولة فاشلة. واقترح أن تقدم الولايات المتحدة المساعدة خصوصاً وأن الصراع المستمر منذ أربعة عشر عاماً دمر الاقتصاد السوري بصورة شبه كاملة، بحيث يعيش 90% من السكان تحت خط الفقر، ويبلغ معدل البطالة 25%، فيما نصف الأطفال خارج المدارس. كما يقيم سبعة ملايين شخص في خيام وملاجئ مؤقتة، ويعتمد نحو 16.5 مليون شخص على المساعدات الانسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية. أما البنك المركزي، فيعاني من نقص حاد في السيولة، ما يعوق دفع الرواتب، في حين أن الليرة السورية باتت عملة نادرة التداول.
وتواجه الحكومة الجديدة تحديات كبيرة في فرض الأمن. فقد شهدت البلاد مؤخراً اشتباكات دامية بين فلول النظام السابق والقوات الأمنية الجديدة، ما أسفر عن مقتل المئات. كما اندلعت مواجهات في محيط دمشق. وفي سياق متصل، نفذت إسرائيل عشرات الغارات الجوية والهجمات البرية على مستودعات الأسلحة، كما أقامت مواقع عسكرية خاصة بها داخل سوريا.
تحديات جسيمة أمام القيادة الجديدة
ويواجه الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع مهمة بالغة الصعوبة في تحقيق الاستقرار ومنع البلاد من الانزلاق إلى مزيد من التشرذم الطائفي. وهو بحاجة إلى دعم دولي واسع، بما في ذلك من الولايات المتحدة. ومن بين الخطوات التي يمكن للإدارة الأميركية اتخاذها على الفور للمساعدة في إنقاذ سوريا، رفع العقوبات الاقتصادية التي تعرقل تعافيها.
وكانت الولايات المتحدة قد فرضت العقوبات على سوريا منذ العام 1979، بسبب احتلالها للبنان ودعمها لـ “حزب الله”. ثم شدد الرئيس جورج بوش هذه العقوبات لاحقاً، متهماً سوريا بامتلاك أسلحة كيميائية محظورة واعتبارها جزءاً من “محور الشر”. ومع اندلاع الحرب الأهلية عام 2011، فُرضت عقوبات إضافية، شملت تجميد الأصول المالية السورية، وحظر الشركات الأميركية من العمل هناك، ومنع تصدير المنتجات التي تحتوي على مكونات أميركية.
وعلى الرغم من أن هذه العقوبات تعدّ من بين الأشد في العالم، فإن تأثيرها على النظام السابق كان محدوداً، بحيث استمر الأسد ودائرته المقربة في الافادة من مصادر دخل أخرى، مثل الدعم الروسي والتجارة غير المشروعة بالمخدرات، ما سمح لهم بالحفاظ على أسلوب حياتهم الفاخر. أما المواطن السوري العادي، فقد كان الأكثر تضرراً من هذه السياسات، ولا يزال يعاني من آثارها حتى اليوم.
وفي خطوة تهدف إلى دعم السلطات الجديدة، خفف بعض الدول القيود الاقتصادية على سوريا. وعلّق الاتحاد الأوروبي عقوباته على قطاعات الطاقة والمصارف والنقل، وأزال بعض البنوك وشركات النفط والخطوط الجوية السورية من قائمة العقوبات. وفي 7 مارس (آذار)، رفعت بريطانيا العقوبات عن 24 كياناً سورياً، كما أفرجت عن أصول البنك المركزي السوري. وفي 12 مارس، أعلنت كندا عن تسهيل التحويلات المالية إلى البنوك السورية، إلى جانب تقديم 60 مليون دولار كمساعدات إنسانية.
غير أن سوريا لم تستفد حتى الآن من تدفقات مالية واستثمارات كبيرة من الخارج، والسبب الرئيسي في ذلك هو استمرار العقوبات الأميركية المشددة.
مطالبات برفع العقوبات الأميركية
في 6 يناير (كانون الثاني)، خففت إدارة جو بايدن بعض العقوبات، ما سمح للمنظمات الانسانية بالعمل داخل سوريا، كما أذنت بتحويل الأموال من المغتربين السوريين من دون التعرض لعقوبات “قانون قيصر”. ومع ذلك، فإن الدول الراغبة في دعم سوريا لا تزال مترددة في تقديم المساعدة خشية الوقوع تحت طائلة القوانين الأميركية. ومن جهته، دعا الشرع إلى رفع العقوبات، واتخذ خطوات إيجابية في هذا الاتجاه، منها إبرام اتفاق لدمج قوات سوريا الديموقراطية، المدعومة من الولايات المتحدة، ضمن الأجهزة الأمنية الرسمية، ومنح الأكراد حقوق المواطنة. وقد لاقت هذه الخطوة ترحيباً من وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الذي أشاد بها، لكنه أكد في الوقت ذاته ضرورة محاسبة المسؤولين عن المجازر.
المخاوف الأميركية ومخاطر الفشل
لكن على الرغم من هذه التطورات، لا تزال الولايات المتحدة مترددة في رفع العقوبات بصورة كاملة، وتطالب الشرع بتشكيل حكومة انتقالية تضم مكونات المجتمع السوري كافة. وكان من المفترض أن يتم الاعلان عن هذه الحكومة في الأول من مارس، لكن المهلة انقضت من دون تحقيق هذا الهدف، ما زاد المخاوف من تعثر العملية السياسية. وفي الوقت الذي تعاني فيه سوريا من انهيار اقتصادي متسارع، لا يبدو أن سياسة العقوبات تخدم المصالح الأميركية، بل تعمّق الأزمة وتزيد من احتمالات تحول البلاد إلى دولة فاشلة. ومن دون إنفاق أي أموال، تستطيع واشنطن أن تقدم مساهمة كبيرة في استقرار سوريا عبر رفع العقوبات مؤقتاً، وإتاحة المجال أمام المساعدات والاستثمارات لإنعاش الاقتصاد السوري”.


