على ما يبدو لم يعد لدينا ترف الوقت لنعتمد ما قاله نائب رئيس الحكومة طارق متري في مقابلته الأخيرة، وفي الوقت نفسه علينا أن نتريث قليلاً قبل أن يكون ملف السلاح على طاولة مجلس الوزراء كما طرح وزير العدل عادل نصار، وما بين الاقتراحين علينا الاعتراف بأننا لا زلنا في دائرة الخطر خصوصاً بعدما نُقل عن تقرير أميركي حمل تحذيراً للبنان، تهديد بدعم تحرك إسرائيلي جديد على لبنان إذا لم تسارع الحكومة إلى نزع سلاح “حزب الله”، ويأتي ذلك في وقت يوسع فيه العدو الاسرائيلي النقاط الخمس التي يحتلها في عملية تجريف واسعة وحفر خنادق، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان هذا التصعيد يأتي في إطار الضغط باتجاه التطبيع أو احتمال خلق فتنة داخلية تخدم المشروع الاسرائيلي.
يعود لبنان، الذي يستعد للمشي بخطوات ثابتة وواثقة في طريق الاصلاح مع انتخاب رئيس وتشكيل حكومة، يعود ربما إلى مواجهة جديدة تفرض عليه الأخذ بمعطياتها التي تجري في الميدان بصورة شبه يومية، لكي لا يقع في الفخ المزدوج، التطبيع والفتنة، لذا يتوجب على كل الأطراف اللبنانية التحلي بالوعي لمواجهة أي خطر قادم تحديداً من خلال ما يحصل على الحدود اللبنانية السورية، بغض النظر عن الرواية التي تقول إن المواجهة هي بين الحزب والعشائر من جهة والسوريين من الجهة المقابلة، والقصف الاسرائيلي المستمر على مواقع يقول إنها تابعة لـ “حزب الله” جنوباً وبقاعاً هذا عدا عن الاستهداف المستمر لكوادر من الحزب عبر المسيرات.
كل ما يجري إن كان من هنا أو هناك لا يبشر بالخير لبلدٍ بالكاد استطاع أن يخرج من حرب كبرى، ولملم وضعه الداخلي بانتخابات رئاسية، من هنا علينا أن نقرأ جيداً المواقف الأميركية المتشددة التي تقول بالسماح بتحركات إسرائيلية عسكرية واسعة اذا لم تصل الأمور الى النتائج المطلوبة، وهذا يضع الحكومة اللبنانية الجديدة أمام تحديات حقيقية خصوصاً في أدائها الأمني بالنظر الى الإطار الزمني الذي وضعه الأميركي، الذي يعمل على ملف ترتيب المنطقة بما يخدم مصلحة إسرائيل بالدرجة الأولى والأخيرة. وعليه، فإن الضغوط الأميركية ستبقى حتى تحقيق المطلوب منها إن كان في موضوع سلاح “حزب الله” أو في موضوع التطبيع، خصوصاً عندما أصر الأميركيون على إيجاد صيغة جديدة لتحلّ محلّ اتفاق وقف اطلاق النار مع إسرائيل، الذي مدّد حتى منتصف شهر شباط الماضي ما يتماهى مع ما أعلنته نائبة الموفد الخاص الى الشرق الأوسط مورغان اورتاغوس عن نية الولايات المتحدة جمع لبنان وإسرائيل في محادثات ديبلوماسية مخصصة لحلّ قضايا عالقة.
في المقابل، تعي الحكومة اللبنانية مطبات خطوة كهذه، وقد اعتبرت أن الاجتماعات لا تعني مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وتريد ابقاءها في اطار تطبيق القرار 1701 ووقف اطلاق النار الأخير بين لبنان واسرائيل. بدورها الولايات المتحدة وإن تفهمت الرد اللبناني وتخطته، إلا أنها تصر على تحقيق الأهداف في ثلاثة مطالب، وهي منع أي تهريب أسلحة أو أموال عبر المرافئ والحدود الى “حزب الله”، وتحقيق انتشار متين للجيش اللبناني في الجنوب، والبدء بالقضاء على قدرات “حزب الله” العسكرية على الأراضي اللبنانية خلف نهر الليطاني، متحدثةً دائماً عن وقوفها ودعمها للجيش اللبناني وقدراته.
تعي الرئاسة ومعها الحكومة مخاطر هذه الأمور، كما وتعي أيضاً المطلوب منها لحماية لبنان وتحصينه من مخاطر ما يجري حوله، والمطلوب واضح ترتيب البيت الداخلي من خلال حوار واضح وشفاف وحقيقي، وترتيب الأوضاع على الحدود، وتقديم كل الملفات بصورة مدروسة ومنظمة ومعدّة جيداً ومنسقة مع كل الأطراف الخارجية خصوصاً مع دول الخليج وعلى رأسها السعودية، وطبعاً مع الولايات المتحدة المعني الأول بضرورة تفهم الوضع اللبناني الجديد، إن كان في المؤسسات أو بالنسبة الى “حزب الله”، فالحكمة في الحل لبنانياً مطلوبة وبقوة، على أن تقابلها حكمة أميركية واعية.


