يعود الحديث عن مجلس الشيوخ إلى الواجهة السياسية اللبنانية، في ظل مبادرة تقدّمت بها كتلة “التنمية والتحرير” لإقراره ضمن حزمة إصلاحات دستورية. هذا الطرح، الذي استند إلى اتفاق الطائف، يفتح الباب أمام نقاش عميق حول جدوى استحداث مجلس جديد في ظل أزمة سياسية واقتصادية خانقة، وسط تساؤلات عن أهدافه الحقيقية: هل يشكّل خطوة نحو إلغاء الطائفية السياسية، أم أنه مجرّد إعادة تدوير لنظام المحاصصة بوجه جديد؟
من اتفاق الطائف إلى اقتراح القانون
نصّ اتفاق الطائف عام 1989 على إنشاء مجلس الشيوخ كجزء من آلية إصلاحية تُخرج البلاد تدريجياً من الطائفية السياسية، عبر قصر التمثيل الطائفي على المجلس الجديد، في مقابل انتخاب مجلس النواب على أساس غير طائفي. إلا أن هذا الطرح بقي حبراً على ورق، إذ لم يتم الاتفاق على تفاصيله، كما لم يُنفذ الشق المتعلق بإلغاء الطائفية من مجلس النواب، ما جعل مجلس الشيوخ مجرّد فكرة مؤجّلة.
مع كل أزمة سياسية كبرى، كان ملف مجلس الشيوخ يُطرح مجدداً، لكنه لم يلقَ توافقاً بسبب تباين وجهات النظر حول صلاحياته، تركيبته ورئاسته. واليوم، وفي ظل حالة الاستعصاء السياسي التي يشهدها لبنان، عادت الكتلة النيابية التي يرأسها رئيس مجلس النواب نبيه بري الى طرح المشروع، مع تصوّر واضح لنظامه الانتخابي وتوزيع المقاعد فيه.
الاقتراح الجديد
وفق الاقتراح المقدّم، يتألف مجلس الشيوخ من 46 عضواً، يتم انتخابهم وفق النظام النسبي، على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة، على أن يكون تمثيله مناصفة بين المسلمين والمسيحيين. وتوزع المقاعد على الطوائف والمناطق، بحيث يكون لكل طائفة حصة محددة في إطار توزيع جغرافي متوازن.
أما على صعيد الصلاحيات، فقد حدّد الاقتراح دور المجلس في البتّ بـ”القضايا المصيرية”، من دون أن يوضح بصورة قاطعة ماهية هذه القضايا، ما يفتح المجال أمام اجتهادات متعددة حول طبيعة صلاحياته وحدود تدخله في التشريع والرقابة.
وعلى الرغم من أن الاقتراح يقدّم حلاً لمعضلة التمثيل الطائفي، إلا أنه يطرح تحديات جوهرية.
الرئاسة عقدة درزية – أرثوذكسية
وفق التوازنات اللبنانية، يفترض أن تكون رئاسة مجلس الشيوخ من نصيب طائفة لم تنل رئاسة أي من السلطات الدستورية الثلاث. ويطالب الدروز بشدة بأن تكون الرئاسة لهم، معتبرين أن الطائف أشار إلى ذلك ضمنياً، فيما يقترح آخرون، خصوصاً في “التيار الوطني الحر”، أن تكون من نصيب الطائفة الأرثوذكسية لضمان تنوع التوزيع الطائفي في الرئاسات.
مجلس رقابي أم منصة تعطيل؟
عدم تحديد “القضايا المصيرية” التي يتولاها المجلس يثير مخاوف من أن يتحوّل إلى هيئة قادرة على تعطيل أي قرار لا يحظى بإجماع طائفي.
هل سيشمل دوره الاتفاقات الدولية؟ الموازنات العامة؟ قوانين الأحوال الشخصية؟ أم سيقتصر على تعديل الدستور؟
هذه الضبابية تجعل المجلس، في حال إقراره، عرضة للتفسيرات السياسية التي قد تؤدي إلى شلل مؤسساتي جديد.
تعزيز للأحزاب الكبرى
اعتماد “لبنان دائرة واحدة” قد يمنح القوى السياسية الكبرى، مثل الثنائي الشيعي والقوى المسيحية الأساسية، هيمنة على التمثيل، في مقابل تهميش المستقلين والأحزاب الصغيرة.
والنظام النسبي، على الرغم من كونه إصلاحياً، قد يُستخدم لتعزيز الاصطفافات الطائفية بدلاً من الحدّ منها، ما يناقض الهدف الأساسي من إنشاء المجلس.
تظهر التصريحات السياسية انقساماً بين دعم فكرة المجلس نظرياً وتعطيلها عملياً. فرئيس حزب “الكتائب اللبنانية” النائب سامي الجميل يشدد على ضرورة مناقشة الموضوع ضمن “ورشة دستورية شاملة” لتحديد صلاحيات المجلس وعلاقته بمجلس النواب والحكومة، بينما يربط عضو كتلة “اللقاء الديموقراطي” النائب هادي أبو الحسن بين تأسيس المجلس والاصلاح السياسي، معتبراً إياه خطوة نحو تجاوز الطائفية. من جهته، يستذكر النائب سليم عون (التيار الوطني الحر) الهدف الأصلـي من المجلس وفق الطائف، وهو تمهيد الطريق لإلغاء الطائفية البرلمانية، داعياً إلى بدء النقاش على الرغم من الغموض.
ليس مجلس الشيوخ فكرة جديدة في لبنان؛ فقد كان موجوداً قبل إلغائه في دستور 1927، حين جُمعت السلطة التشريعية في مجلس النواب. تألف المجلس التاريخي من 16 عضواً يمثلون الطوائف، بحيث كان يُعيّن نصفهم رئيس الحكومة، ويُنتخب النصف الآخر، ليكون دوره مراقبة التشريعات وضمان تمثيل الأقليات. هذا الإرث يُذكّر بإمكان تحويل المجلس إلى جسر للتوازن بين التعددية والوحدة الوطنية، لو نُفذ بإرادة سياسية حقيقية.
تكمن العقبة الرئيسية في تحويل النص الدستوري إلى واقع، إذ يتطلب الأمر إجماعاً سياسياً على تعريف “القضايا المصيرية”، وتوضيح العلاقة بين السلطات، وحل الإشكالية الطائفية في الرئاسة. كما أن إنشاء المجلس يرتبط عضوياً بإصلاح النظام الانتخابي وإلغاء الطائفية السياسية، وهو ما لم يتحقق منذ مرور 34 عاماً على اتفاق الطائف.
مجلس الشيوخ ليس مجرد هيئة دستورية مقترحة، بل هو اختبار لإرادة الطبقة السياسية في الانتقال من منطق المحاصصة إلى دولة المؤسسات. وإن كان التاريخ يشهد أن لبنان سبق أن ألغى هذا المجلس تحت ذرائع الوحدة الوطنية، فإن إحياءه اليوم قد يكون خطوة نحو وحدة حقيقية، تعترف بالتعددية من دون أن تجعلها سجناً للوطن.
الحديث عن مجلس الشيوخ هو مجرد جزء من صورة أكبر لأزمة لبنان، التي تحتاج إلى حلول شاملة تتجاوز أي تعديلات على النظام الطائفي الحالي. ومن الواضح أن أي خطوة نحو مجلس الشيوخ لن تكون يسيرة. الحاجة إلى إصلاحات حقيقية تتجاوز الموازنة بين الطوائف وإيجاد صيغة توافقية حقيقية يبقيان أولوية. فالبحث عن حلول حقيقية يتطلب شجاعة سياسية لتجاوز منطق المحاصصة الطائفية، وهو ما قد يكون أكبر تحدٍ في السياق اللبناني.
من هنا، لا يبقى الأمل في تحسين الوضع السياسي والاقتصادي إلا عبر حوار جدي وشامل، يأخذ في الاعتبار هموم الشعب اللبناني وحقوق جميع مكوناته، من دون الانزلاق إلى متاهات المناكفات الطائفية التي عطلت أي تقدم طوال عقود.


