المسرح العالمي مختلف تماماً من منظور الدول الصغيرة، فبينما تُحرّك القوى العظمى التحولات الجيوسياسية الكبرى، تجد الدول الأخرى نفسها مجبرة على البحث عن وسائل للبقاء وسط هذه التصدعات، وفقاً لقراءة في موقع “نيويورك تايمز”.
وحسب المقال، “في غضون شهرين فقط، هددت إدارة دونالد ترامب حلفاءها بالتعريفات الجمركية والحروب التجارية، وقوّضت المساعدات الخارجية، وأسكتت أصوات الإعلام. كما وبّخ الرئيس ترامب نظيره الأوكراني داخل المكتب البيضاوي وعلق المساعدات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية. وعندما صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار يطالب روسيا بسحب قواتها فوراً من أوكرانيا، انضمت الولايات المتحدة إلى روسيا وكوريا الشمالية وبيلاروسيا في معارضة القرار. وفي الوقت نفسه، تعامل ترامب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كشريك موثوق للحوار.
عقيدة ترامب وسياسة القوى العظمى
وباتت ملامح عقيدة ترامب في السياسة الخارجية واضحة، ولو بصورة تقريبية. وتسعى الولايات المتحدة بقيادته إلى عالم تسيطر فيه القوى النووية الكبرى وتحدد مناطق نفوذها وحجم أراضيها وحدودها وفقاً لمصالحها. قد يبدو هذا النهج لبعض القوى الكبرى مجرد سياسة واقعية قائمة على المعاملات، لكنه يُعدّ خيانة في نظر العديد من الديموقراطيات الصغيرة في شرق أوروبا وجنوب آسيا وشرقها، التي اعتمدت لعقود على الولايات المتحدة للبقاء قرب حدود روسيا أو الصين.
ومنذ سقوط الشيوعية، سعت العديد من دول أوروبا الشرقية، مثل دول البلطيق وجمهورية التشيك وبولندا والمجر، الى تلبية معايير الديموقراطية الليبرالية، فكتبت دساتير جديدة وحوّلت الحياة السياسية إلى الديموقراطية وبنت اقتصادات السوق، ووقّعت اتفاقيات تجارية. حتى أن بعضها وافق على استضافة قواعد عسكرية أميركية أو سجون سرية تابعة لوكالة المخابرات المركزية. انضمت جمهورية التشيك وبولندا والمجر إلى الناتو عام 1999، ولحقت بها دول أخرى لاحقاً. وعلى الرغم من أن هذا التحول لم يكن مثالياً – كما يتضح في تجربة “الديموقراطية غير الليبرالية” التي يتبناها رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، أو في حكم حزب القانون والعدالة البولندي القومي الشعبوي الذي استمر لثماني سنوات وانتهى عام 2023 – إلا أن الاتجاه العام كان واضحاً: تحديث هذه الديموقراطيات الصغيرة وربطها بقوة بالديموقراطية العظمى في العالم لضمان الازدهار والأمن. وينطبق الأمر نفسه، بدرجات متفاوتة، على دول آسيوية مثل كوريا الجنوبية وتايوان.
الغرب المنقسم: بين الديموقراطية والشعبوية
لقد قضت اتفاقية يالطا وفقاً للقراءة على أوروبا الشرقية لعقود من القمع خلف الستار الحديدي. لكن في التسعينيات، بعد انهيار الشيوعية، قررت الديموقراطيات الناشئة الايمان من جديد بأن ارتباطها بالغرب – الذي بدا حينها أكثر إشراقاً وتألقاً – سيجلب لها الحرية والازدهار والاستقرار. واليوم، يبدو أن هذه الفكرة قد انهارت إلى جزءين: جزء ينتمي إلى ترامب والشعبويين الانتهازيين، وآخر يضم أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بالديموقراطية الليبرالية واحترام الاتفاقيات الدولية وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
البحث عن تحالفات جديدة
وفي الوقت الحالي، تجد الدول الصغيرة التي راهنت على الولايات المتحدة نفسها في مأزق جيوسياسي. وبالنسبة الى أوكرانيا على وجه الخصوص، أثارت كلمات ترامب وأفعاله حالة من الذعر الوجودي. لكن بقية جيران روسيا المباشرين بحاجة إلى خطة جديدة أيضاً، تقوم على تحالفات قائمة على القيم الديموقراطية.
ويبدو الاتحاد الأوروبي عنصراً أساسياً في هذا الجهد. بالنسبة الى الدول الأعضاء بالفعل مثل بولندا وليتوانيا ولاتفيا ورومانيا وإستونيا، الطريق إلى الأمام أكثر وضوحاً. أما بالنسبة الى الدول التي لا تزال تسعى للانضمام، فيمثل الاتحاد الأوروبي طموحاً يستدعي التكيف والتغيير، لا سيما في مجال الإنفاق العسكري، بحيث تتجه الكتلة إلى إعادة تسليح القارة بميزانيات تقدر بمئات المليارات – وهو أمر بدأت بولندا بالفعل بتنفيذه كنموذج يُحتذى به.
لكن أوروبا ليست الحل الوحيد أمام تداعيات سياسة ترامب الخارجية. هناك دول أخرى، مثل كندا وكوريا الجنوبية، لا يمكنها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لكنها تسعى إلى إقامة تحالفات أمنية مع الدول التي تشاركها قيمها الديموقراطية. كندا، على سبيل المثال، بدأت بالفعل بالتحرك نحو مزيد من التعاون العسكري مع الاتحاد الأوروبي.
نهاية فصل.. وبداية آخر
لعلها بالفعل نهاية فصل من التاريخ. لكن في ظل التحالفات القائمة على الأمن والقيم، هناك فصل جديد يتشكل: وللمرة الأولى في التاريخ، ربما بات الغرب “غربين”!


