ناقشت قراءة في موقع مجلة The American Prospect آثار سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الشرق الأوسط في ظل النهج المتقلب وغير التقليدي الذي يتبعه في التعامل مع القضايا الاقليمية مقارنةً بمسارات السياسات التقليدية.
وربط الكاتب جوناثان غويَر “بداية القصة بما قبل تولي ترامب الرئاسة، حين قام مبعوثه الشخصي ستيف ويتكوف (الملياردير في مجال العقارات) بالضغط على رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال المفاوضات في قطر تمهيداً لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى. هذا الإنجاز كان خطوة مبكرة أظهرت قدرة ترامب على تحقيق نتائج ملموسة باستخدام أسلوبه الذي يجمع بين الديبلوماسية الشخصية والضغوط المباشرة. ومع ذلك، سرعان ما تباينت مواقف ترامب بعد بدء ولايته، إذ اقترح في وقت لاحق فكرة تهجير الفلسطينيين من غزة ضمن خطة ريفييرا غزة، وهو تصور مثير للجدل تشوبه تهديدات وعناصر من التطهير العرقي”.
كما سلط التحليل الضوء على التناقضات الواضحة في سياسة ترامب؛ فمن جهة ساهم في إنهاء الحرب من خلال وقف إطلاق النار لكنه أخفق من جهة أخرى في ضمان استمرارية هذا الوقف بسبب انتهاكات إسرائيل المستمرة، بالاضافة إلى تعليقه المساعدات الانسانية للفلسطينيين في غزة وتقديم مساعدات عسكرية ضخمة لإسرائيل بقيمة 12 مليار دولار. وحسب الكاتب، أدت مثل هذه السياسات إلى تفاقم معاناة الفلسطينيين وأثارت انتقادات واسعة من منظمات حقوق الانسان. كما أظهرت التداخل بين العلاقات الشخصية والمصالح الاقتصادية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة. ففي ظل وجود شبكة واسعة من المستشارين والفاعلين داخل الدائرة القريبة من ترامب، يظهر أن كلاً منهم يسعى الى تحقيق مصالحه الخاصة؛ فبينما يتبنى البعض نهجاً عملياً مدعوماً بتجارب في مجال الأعمال والعقارات، يفضل آخرون التصعيد العسكري والاعتماد على القوة الناعمة.
ويتعدى تأثير ترامب على الشرق الأوسط الخطاب الجريء والتصريحات التحريضية؛ فقد قام بتغييرات جذرية في السياسات الأميركية تجاه المنطقة. ويطرح الوضع الحالي علامات استفهام حول مستقبل السياسات الأميركية في الشرق الأوسط تحت قيادة ترامب، وعن مدى استعداد واشنطن للوقوف خلف ممارسات إسرائيل العسكرية، خصوصاً وأن هذا النهج يثير العديد من المخاوف بشأن استقرار المنطقة واحترام القانون الدولي.
كما أحدثت سياسات ترامب تأثيرات سلبية على الوكالات الأميركية للمساعدات الخارجية، إذ تم تقليص الدعم لمعظم الدول باستثناء إسرائيل، ما أفضى إلى تدهور القدرة الأميركية على ممارسة نفوذها الناعم في المنطقة. كما أثارت الاجراءات الصارمة ضد النشطاء الفلسطينيين جدلاً واسعاً، ما أعاد التمييز العنصري ضد الفلسطينيين الى الواجهة.
وقد يبدو أن ترامب يعتمد على نهج قائم على مزيج من الأسلوب الديبلوماسي الشخصي والتصرفات العسكرية الجريئة لتحقيق أهدافه، بحيث تظل سياساته في الشرق الأوسط متقلبة وغير متماسكة، ما يترك المجال للعديد من التساؤلات حول مستقبل المنطقة. وبينما يُظهر بعض المراقبين تفاؤلاً بأن مثل هذه السياسات قد تفتح آفاقاً جديدة للتفاوض، يرى آخرون أن هذه التحركات قد تؤدي إلى تفاقم الصراعات وتزيد من معاناة المدنيين. وتبقى سياسة ترامب في الشرق الأوسط مثالاً على السياسة الواقعية التي تجمع بين حسابات القوة والضغوط الديبلوماسية، في محاولة لتحقيق مكاسب استراتيجية على الرغم من التحديات القانونية والأخلاقية الكبيرة.
وختاماً، يمكن تعلم درس أساسي من تجارب الادارات الأميركية السابقة، سواء في عهد ترامب أو بايدن، وهو أن تجاهل القضية الفلسطينية وعدم منح حقوق الفلسطينيين الأهمية اللازمة يؤديان إلى عواقب وخيمة على المدى الطويل. ويبدو أن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط أصبحت أكثر تعقيداً وتداخلاً بين الأبعاد العسكرية والديبلوماسية والاقتصادية. وهذا قد يزيد من حدة التوترات ويعمّق الانقسامات. كما أن الاعتماد على أساليب مثل التهديد والعنف العسكري قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال زيادة التطرف والكراهية بين الشعوب المتأثرة.


